غريب أمر أولئك الحمقى الذين يعتدون بقصد أو بغير قصد على العواطف المرهفة والأحاسيس النبيلة معتقدين أنهم سيبلغون سدة المجد والشهرة إن هم تطاولوا أو ازدادوا تقزماً، مع أنهم لا يجنون في النهاية سوى الفشل ولعنة الأجيال ونقمة التاريخ الأدبي الراقي الذي لا يحفظ إلا الصور الأدبية البديعة، البهية المعبرة عن الفطرة الإنسانية الخلاقة. ومن منا لا ينظر بعين الرضا والإعجاب إلى ألفونس دا لامارتين أحد أشهر شعراء فرنسا في القرن التاسع عشر، وحامل لواء الشعر الرومانسي، شاعر البحيرة والكلمات الشفيفة وهو يكتب نصاً ينضح بالمحبة والتقدير للرسول العربي الكريم.

فمن لا يعرفه يسأل عن ظروف كتابته لهذا النص الشعري البديع، لكن اختيار لا مارتين لمدينة حلب وتواصله مع أهل الفكر والأدب فيها بعد إقامته في حي الكتاب، جعل رؤيته نيرة تبصر الحق والخير والجمال، فكانت رائعته الشعرية (من أعظم منك يا محمد)، حكاية إعجاب وتقدير لشخصية النبي الكريم، (الحكيم، خطيب جوامع الكلم، الداعي إلى الله بإذنه، سراج التشريع)، كما أحب أن يصفه.

قائلاً عن النبي الكريم: (لا يمكن لإنسان أن يقدم على مشروع يتعدى قوى البشر بأضعف الوسائل، وهو لا يعتمد في تصور مشروعه وإنجازه إلا على نفسه ورجال لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، يعيشون في منكب الصحراء.. فكلمة التوحيد التي صدح بها ـ أمام معتقدي نظم سلالات الأرباب الأسطورية ـ كانت شعلتها حينما تنطلق من شفتيه تلهب معابد الأوثان البالية، وتضيء الأنوار على ثلث العالم، وإن سيرة حياته، وتأملاته الفكرية،

وجرأته البطولية على تسفيه عبادة آلهة قومه، وشجاعته على مواجهة شرور المشركين.. وعمله الدؤوب على تبليغ رسالته، وجهاده مع عدم تكافؤ القوى مع عدوه، ويقينه بالنصر النهائي، وثباته الخارق للعادة عند المحن، وحلمه عندما تكون له الغلبة، والتزامه بالقيم الروحية، وعزوفه التام عن الملك، وابتهالاته التي لا تنقطع، ومناجاته لربه، ثم موته، وانتصاره وهو في قبره.. إن كل هذا يشهد أن هناك شيئاً يسمو على الافتراء، ألا وهو الإيمان، ذلك الإيمان الذي منحه قوة تصحيح العقيدة).

وما دام لامارتين ذكر الافتراء.. فيجب أن نعود إلى الحمقى الذين يرعاهم غرب أحمق، أعمى البصر والبصيرة للأسف، هلل لآيات سلمان رشدي الشيطانية، ويحتفي اليوم بكاتب جزائري مغمور يدعى أنور بن مالك مقيم في باريس، صدرت روايته بالفرنسية عن احدى دور النشر الأوروبية المعروفة،

مختاراً لها عنوان (أو ماريا) على اسم بطلة هلوساته التي يعود فيها إلى الفترة التي سقطت فيها الأندلس وشهدت محاكم التفتيش، وما تعرضت له عائشة الموريسكية ماريا فيما بعد، من عذابات استفاد منها لتحميلها جرعة مهولة من الحقد على الرسول الكريم والمسلمين، فلم يخجل من حشو روايته بمقاطع كاملة من السب والشتم والتجريح لرموز العقيدة الموحدة، بما لا تستطيع الأقلام حملها والأوراق احتواءها.

أسأل نفسي دائماً.. ماذا يريد هؤلاء الحمقى.. اعتذار مطول من العرب والمسلمين على فتحهم للأندلس، بعد أن كسروا مغاليق العقل الغربي المتحجر، مع أننا أصحاب الفضل الكبير في إخراج القارة العجوز من الظلمات إلى النور، هل يكون رد الجميل دائماً حماقات لا تنتهي.. ومتى سنتعلم من قصيدة لامارتين فقط.. معنى الإبداع الإنساني الأصيل..؟!

alomawi@albayan.ae