تقدم الروائية والقاصة السودانية بثينة خضر مكي إصدارها الجديد والذي يحمل الرقم أربعة عشر في تسلسل إنتاجها الأدبي عموما، وفي مجال القصة فهي المجموعة القصصية الخامسة وقد اختارت لها عنوان «رائحة الخريف» حيث ضمت بين غلافيها خمس عشرة قصة قصيرة.

تنهض القصص في مجملها من السودان موطن الكاتبة وهي البيئة التي اختارت أن تؤطر بها قضايا نصوصها كما ظلت على إخلاصها المعتاد الذي يتجلى تجاه بنات جنسها حيث تبرز الذات الأنثوية من خلال تناولها الواعي لهمومها وإشكاليات التغيرات المجتمعية المتباينة وانعكاساتها على المجتمع عموما وعلى المرأة على وجه الخصوص.

تدخل مكي بمجموعتها الجديدة الصادرة في أغسطس 2006عن دار سدرة للطباعة والنشر والتوزيع بالخرطوم على المجتمع السوداني بكل تناقضاته واختلافاته وتنويعاته الطبيعية في محاولة أدبية لغربلة الشبهات والسلبيات العامة منها والخاصة، والسطحية والعميقة، ولتخلص من القبح بالجمال ولخرج من السلبية إلى الايجابية.

لقد أخلصت مكي في أعمالها السابقة لمجتمعها وبيئتها وقضاياهما لكنها في هذا العمل تتعمد التوغل بشكل أعمق فتصل إلى مساحات أبعد مما طرحتها في أعمالها السابقة بمكاشفة حادة. فتجلي ملامح البيئة بوضوح جريء تصنفرها بحدة وتتعاطى مع تفاصيلها بصوت عال و مباشر وترصد معطياتها بمجملها من المناخ وأنواع الأشجار والثمار وأسمائها وأنماط الناس وطباعهم وعاداتهم وأساطيرهم الشعبية وأسماء المدن والقرى وخصوصياتها.

تتجول بين ماضي المدن وحاضرها وبين القديمة منها والمعاصرة وما استجد بها من ظواهر وحركات وأفكار، وما طرأ من تغير على شخصية الفرد السوداني رجلا كان وامرأة. بهذه المجموعة تتمكن مكي من التأثير في القارئ بما تمتلكه من أدوات حرصت على توظيفها في سياقات حادة وهادفة.

تقول عنها الشاعرة العمانية أستاذة النقد والبلاغة والأدب المقارن سعيدة بنت خاطر الفارسي (ان رائحة الخريف مجموعة قصصية تحمل من الوجع الإنساني والهم المشترك والفن الإبداعي ما يجعل الكاتبة تتطهر ومما يجعلنا نتطهر معها وننعتق من مساحات القبح وربقة الواقع السلبي المرفوض ولو إلى حين). تعتمد مكي في رائحة الخريف لغة بسيطة أقرب إلى المحكية تتداخل فيها العامية والشعبية

ومن هنا ترسم ملامح السودان ثم تنقله إلى القارئ مباشرة من خلال أسماء الأشجار والمدن وأسماء القبائل وأزياء الرجال والنساء والعادات الضاربة في عمق التراث والموروث. وقد نجحت أكثر من قبل في التعبير عن مدى الالتصاق بالبيئة والمجتمع وقضاياه العامة والخاصة. في قصص المجموعة تنوع واختلاف من حيث الأفكار والقضايا التي شغلت مئة وست وخمسين صفحة من القطع المتوسط، تداخل وترابط ذو نمط روائي مكتمل في أكثر من عنصر.

وتبقى القصة المحور التي تستند عليها ديباجة المجموعة هي «رائحة الخريف» حيث تمزج فيها بين خريف المواسم والفصول في الطبيعة وخريف العمر الإنساني حيث يهن الجسد ويضمحل ويفقد صلابة البنية ومرونة الأداء. وتجدر الإشارة إلى تنوع اللغة لدى خضر مكي في مجمل النصوص بين السرد الفصيح المكثف وبين الحوار العامي للشخصيات، كما يتنوع الحوار مابين «المنولوج الداخلي والديالولج الخارجي».

وقد قدمت في مستوى بانورامي جل قصصها شملت بها شرائح المجتمع بكل مستوياته وطبقاته متتبعة جغرافيته وبيئته الطبيعية والمناخية. وراصدة نفسيات أفراده. كما عمدت إلى تجسيد واقع المثقفين من خلال حوار بين مثقفين «رجل وامرأة» وهما في المستوى الثقافي نفسه

وهي بذلك تؤكد على تناولها لجميع شرائح المجتمع قديما وحديثا. أما قصة «حجوة» فتعتبر قصة شعرية فائقة التأثير متناهية الصدقية غاية في الحميمية جاءت صياغتها بلغة عامية موغلة في الشعبية وبدت كأنها هدية مشغولة من حسرات الفقد والغياب والانهزام لكنها مغلفة بشعور واحد ينطلق كنشيد.

فاطمة محمد الهديدي