يختلف المتلقون لمختلف الفنون العراقية في تذوقها، خاصة فيما يتعلق بالأغاني، وبالشعر تحديداً، منهم من يجد في الحزن العميق الذي يعم الإبداع الغنائي والشعري العراقي ميزة، وهوية، وانتماءً، ومنهم من يجد في ذلك وجهاً للكآبة والتشاؤم.

وبين هذا وذاك لا نريد التعليق، فلكل متلق ذائقته الجمالية التي تتعلق بثقافته العامة، وطبيعة تلقيه للمنتج، وطبقته، وجنسه، ولونه، وبالتالي ظروفه العامة.

لكننا لا نختلف تجاه هذا الحزن الذي يميز الغناء والشعر في العراق، والواقع حسب تحليلي أن الأمر لا يأتي من فراغ، إنما يرتبط ومنذ قدم التاريخ بعوامل عديدة، وظروف مختلفة، أحاطت بالإنسان العراقي منذ تواجده على أرض وادي الرافدين منذ بدء الخليقة وحتى اليوم، وربما غدا.

والمتتبع الدقيق يجد أن الإنسان العراقي محكوم بهذا الواقع المأساوي الذي رافقه عبر التاريخ، فمن تحديات العصر الحجري أو ما قبله، إلى مجيء حضارات وادي الرافدين المتعاقبة وما صاحبها من حروب وصراعات وتحديات، مروراً بالفترة الذهبية إبان الدولة العباسية.

وسقوط بغداد على يد هولاكو، ودويلات المدن، والعهد العثماني الذي امتد قروناً طويلة، ثم صراعات القرن العشرين مع السلطات المتعاقبة المختلفة حتى احتلال بغداد الأخير وصولاً إلى الوضع المأساوي الذي يعيشه العراق في هذه الفترة الحرجة.

وقد انعكس هذا الوضع على النتاج الإبداعي العراقي، وأصبح الحزن لازمة لهذا الإبداع، بل الملح الذي لا تستغني عنه وجبة لذيذة، وقد عشش الحزن حتى عند شعراء العراق الكبار، ويكفي العودة إلى قصائد العديد منهم، سواء كانت في اللهجة المحكية أو اللغة العربية الفصحى، يقول بدر شاكر السياب كنموذج في العودة لجيكور:

جيكور.. جيكور، أين الخبزُ والماءُ

الليل وافى وقد نام الأدلاء

والركب سهران من جوعٍ ومن عطشٍ

والريح صَرّ، وكل الأفق أصداء

بيداء ما في مداها ما يبين به

دربُ لنا، وسماءُ الليل عمياءُ

جيكور مدي لنا باباً فندخله

أو سامرينا بنجم فيه أضواءُ

مظفر النواب مثال آخر، شاعر يحترق كل يوم، مع كل بيت شعر، بعاميته الجميلة، وبلغته الفصيحة، عاشق حتى العظم، حزين حتى البطين، ساخر حتى البكاء، يقول:

ما أظن أرضاً رويت بالدم والشمس كأرض بلادي..

وما أظن حزناً كحزن الناس فيها..

ولكنها بلادي.. لا أبكي من القلب..

ولا أضحك من القلب..

ولا أموت من القلب.. إلا فيها..

ويواصل مظفر في حزنه اللذيذ، حتى في لهجته المحكية، «اللهجة العراقية» التي تتميز بإيقاعها الذي لا يرى استقراراً إلا في سويداء القلب:

جيزي المحطة.. بحزن.. وونين.. يَقراكين..

ما ونسوته.. ابعشكهم.. عيب تتونسين..

يا ريل.. جيمّ حزن.. أهل الهوى.. امجيمين..

وهو درهواكم.. ولك.. حدر السنابل كطه..

يغالي العراقيون في حزن المواويل، فيبتدعون «الأبوذية» وهي كما يحللها المختصون، هي الموال الأكثر إيلاماً، وحزناً، بل يتعدى إلى حزن مؤذ، لا يتحدد في الحزن على الوطن، إنما على الحبيب أيضاً في مجتمع قاس ذكوري يعاني الرجل فيه من ازدواجية تجاه المرأة، حيث يحق للرجل أن يحب المرأة، ولا يحق لأخته أو ابنته أن تحب، يقول الشاعر الحاج زاير الدويج في أبوذيه:

أو حياتك ما غمضت عيني ونامت (نامت)

أو عليَّ أهل الحسد تومي ونامت (من النميمة)

تراني الناس حي أمشي ونامت (ميت)

لجن ثوب الصبر ساتر عليّ

والصور الشعرية في العامية أقرب إلى ضمير المتلقي من الفصحى، بل تتخذ صوراً إبداعية قد تعجز الفصحى من الإتيان بها، ولعلنا نختتم بصورة أراد شاعرها أن يجمع الاستحالة في بيت واحد فقال:

[ هم يصير؟.. نكطة ماي.. ينص الماي.. عطشانة ؟!].

هذا هو العراق. بلد الحزن والعطش، لا يرتوي العراقي رغم كل الأنهار التي ترسم خارطة العراق ولا يفرح، بل وحتى حينما يفرح، لا يفرح إلا بحزن، لأنه سيجد نفسه وقد فقد الكثيرون كان ينبغي أن يشاركوه فرحه فيحزن.