علي هامش فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الثامنة عشر أقيمت ندوة حول «أدبيات التجريب في الكتابة المسرحية» منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين، و أدارتها الناقدة المسرحية المصرية د. نهاد صليحة .

حيث بدأت الندوة بكلمة الكاتب والمسرحي اللبناني بول شاؤل الذي طرح قضية تفاعل الأدب بالمسرح مستهلاً حديثه بتساؤل: هل هناك أدب في بدايته كان معروفاً بألوانه المختلفة كالقصص والشعر إلخ من الألوان الأدبية، حتى صارت تلك الألوان الأدبية بفعل الكاتب المسرحي نصاً مسرحياً؟

وأعلن شاؤل اعتراضه على الكاتب المسرحي الذي يأتي بنص شعري أو قصصي أو حتى علمي، ثم يحوله إلى نص مسرحي، معتبراً أن ذلك يجعل الأدب خاضعاً للمسرح، ويجعله مفردة من مفرداته.

وأضاف شاؤل متسائلاَ: من هو المسؤول الحقيقي عن التجريب في النص المسرحي، هل هو الكاتب أم النص نفسه؟ مجيبا بأن الكاتب كان هو المسؤول عن تجريبية النص منذ اليونان وحتى تشيكوف، فأصبح النص هو الذي يتحدث عن تجريبيته بنفسه، ومن ثم انتفت مسئولية الكاتب المسرحي في تجريبية النص المسرحي.

ومنذ ظهور التكنولوجيا في القرن العشرين، أصبح هناك ما يسمي تبديل النص، ففقد النص المسرحي حضوره المستقل وغير المستقل، فأصبح البطل هو التكنولوجيا والسينوجرافيا وعناصرها المختلفة، فابتعد المخرج المسرحي عن النص المسرحي المعروف، وبدأ الالتفات للأشياء الحديثة والجديدة كالرقص، وذلك لأنه وجد أن الكاتب المسرحي قد ابتعد كل البعد عن الدراما في كتاباته المسرحية، وتطورت الكتابة المسرحية القديمة.

ويطرح بعد ذلك شي وو إن من كوريا تجربته المسرحية قائلاً: إنه كانت لديه نية لكتابة نص فعال وسهل وممتع إلا أنه عندما بدأ في الكتابة، وجد لديه ثلاث فرضيات انطلق منها وهي: أولاً يجب أن يتم تثبيت فكر المسرح الكوري عن طريق تحليل وضع المسرح الكوري. وثانيا أن تقاليد هذا المسرح ليست جامدة بل متحركة ومستمرة في الاختلاط بالآخرين، أي تحمل شعار تجديد التقاليد.

وثالثا شرح المسرح الكوري بأوضاعه الحالية لأنها تقود لفهم المسرح التجريبي الكوري بشكل أوسع، ذاكراً أن ما يمكن أن يقال في هذا النطاق ما هو إلا تلاعب لفظي بالكلمات ذاتها وأن المسرح التجريبي الكوري يفتقد مصطلحي الصادم والجديد.

جذور التجريب

وفي الجلسة الثانية شارك الباحث قاسم مطرود من دولة العراق بكلمة تحت عنوان التجريب إضافة ومعول ضد التابوهات وأرجع في بداية حديثه جذور التجريب إلي محاولات الإنسان الأول في التجريب والاستكشاف.

والتي تكونت من خلالها الحضارة الإنسانية، وأضاف أنه لايمكننا تجاهل التلفاز والحروب والعوامل الاقتصادية والتغيرات في الرؤى الاجتماعية وغياب البداوة، وعولمة المشاعر واختراق المنازل عبر الانترنت، مؤكداً أن كل ذلك يتجانس ويتداخل في موضوعات التجريب مضيفاً :

يمكنني القول إن غاية التجريب إن كانت له غاية هي اكتشاف الغامض من الأشياء والتحرش بالمقدس وكسر التابوهات ويوم يحدث هذا يصبح قديما وعليه أن يبحث عن نواة أخري ينطلق منها ويبني عليها هيكله، عله يجد بقعة ضوء في الظلمة وذكر قاسم أن يونسكو جاء بعد الحرب وأفرز أعمالا مسرحية وأشار بصفته عراقيا إلي أن هناك مسرحاً تجريبياً بدأت تظهر ملامحه في العراق.

أما د. لطيفة بلخير- المغرب - فقد ذكرت في الكلمة التي قالتها بأن التجريب أصبح عنصرا حيا وأساسا في المسرح العربي مواكباً للتطور مع مختلف التيارات المسرحية وتحدثت في صميم ورقتها التي قدمتها بعنوان أدبيات التجريب ووثائقه في الكتابة المسرحية العربية من خلال الغروتيسك والكتابة الإخراجية.

وذكرت أن العرض الذي قدم على خشبة المسرح طابق النص المكتوب وأكدت أن علامات التجريب تأتي في الإرشادات المسرحية التي تشير إلي حركات الممثلين والإضاءة.وأشارت إلى أنه امتداد لكتاب مسرحيين قاموا بالتجريب في المسرح العربي بدءاً من توفيق الحكيم.

مقاومة إنسانية

ومن المكسيك ذكر المكسيكي ماريو مونكاد أن المسرح هو نوع من أنواع المقاومة الإنسانية التي تتحرر من كل التابوهات وبالأخص في المجتمع المحافظ وأضاف أن تحرر الممثل والمخرج والفعل المسرحي من كل ما يعيق أفكاره يحقق تواجداً مسرحياً مدهشاً بعالمه.

وذكر مسترشداً بورقته التي قدمها تحت عنوان المسرح والهوية في المكسيك أن المسرح المكسيكي كان يعتمد علي الدولة وصفوة المثقفين، وكانت الصبغة السياسية تؤثر علي مساندة الفنان لخلق جمهوره الذي يختفي عن العروض ذات الطابع التجريبي.

أما الباحث د. محمد سيد غالب مصر فقد ذكر أن التجريب ينبع من البيئة ولا يكون بأي حال من الأحوال منفصلاً عنها وذكر من خلال ورقته التي قدمها أنه عندما اشتد عود الدراما في تربتنا العربية .

وخاصة في العقد الثاني من النصف الثاني من القرن العشرين بداية من سنة 1964 وجد بعض الدراميين والمنظرين المسرحيين أن المسرح القائم يحمل ثوباً أوروبياً منذ نشأته مما جعل الحياة الثقافية التي يعيشها المواطن العربي تقع خارج مركزها بعيداً عن عقل ووجدان الأمة وباعتبار أن المسرح أحد مناحي الحياة الثقافية ويلعب دوراً في التكريس للهوية العربية.

فضاءات الحرية

ومن جانبه تحدث الباحث الأردني محمد خير يوسف علي الرفاعي وقال : إن هناك أسئلة كثيرة تراودني تتعلق بالتجريب في المسرح منها علي وجه التحديد حدود فضاءات حرية الكاتب المسرحي: هل الكتابة نوع من الخلق يتيح للكاتب أن يسبق الناس في رؤاه ولا يلاحقهم؟ ماذا يكتب المبدع ولمن يكتب وكيف؟ ما النص؟

مادور المتفرج هل التأسيس يبدأ من الإبداع أم من جمهور التأسيس ؟!

وذكر من خلال ورقته العديد من الأطروحات التي ضمتها الأسئلة التي وضعها في مقدمة ورقة بحثه والتي ذكر من خلالها مجموعة من الملاحظات أهمها أن المسرح التجريبي أصاب البنيات الكلاسيكية بتخلخل في هيكلها كما أنه أصبح ضرورة لتلبية حاجات ووسائل التعبير وطبيعة المرحلة ومتطلباتها.

وتلت ذلك الباحثة د. أدريانا رايكو بيترمن رومانيا، والتي تحدثت عن العلاقة بين النص والتصميم المسرحي شارحة علاقات النص المختلفة بالإخراج والجماليات في صناعة خشبة المسرح، وقدمت من خلال الشاشة نماذج مختلفة ومدارس مختلفة لخشبات المسرح وارتباط شكل الخشبة بالمدرسة ودواعي العرض، وأكملت بالتحدث عن مسرح الحد الأدنى وهو الذي يرغب في تقليل التأثيرات إلى الحد الأدنى من خلال النص والإخراج.

تجريبية المسرح

أما المخرج المسرحي ون ميزوناف من فرنسا فبدأ حديثه بشرح لمفهوم كلمة تجربة في الفرنسية معبراً عن ازدواجيتها التي تصل أحيانا إلي حد التناقض وتابع قائلا : المسرح التجريبي في فرنسا يطلق عليه الطليعي أي الحديث والمبتكر بينما الموسيقي علي العكس لأنها تجريبية بطبعها وأوضح أن التشكيل المسرحي المنظم الثابت، لم يظهر بفرنسا إلا في نهاية القرن الثامن عشر ولم يثبت إلا في أعقاب القرن التاسع عشر. عندما اتخذت العروض شكل المنتج التجاري.

وعن واقع وتجربة مسرحية فإن هذا ما حقق فصلاً بين المسرح والشارع السياسي والحس النضالي ولذا فعندما وجد مسرح بورجونيو التجريبي كان على عاتقه التخلص من الطلب المتزايد للمسرح الخاص والربط مرة أخري بين المسرح والحياة والتيارات المختلفة.

وقد أنهى الجلسة د. عبد الكريم بن علي مخرج ومؤلف من سلطنة عمان وأحد مسؤولي إدارة المسرح وشؤونه ومستشار وزير الثقافة العماني استهل حديثه بموقف شاهده في المهرجان التجريبي منذ أربعة أعوام حيث عرضت الهند ملحمة المهابهاراتا الهندية ولقد أغضب الكثير من البريطانيين لظنهم أن هذه الملحمة قد تسيء لجنسيتهم.

كان بيتر بروك مخرجا مجددا أعماله كانت تتميز دائماً وتسجل. ولقد انطلق بروك في تسجيل الأسطورة القديمة بشكل جمالي لها رغم أهمية المسرح وخاصة في البعد الخيالي ناهيك عن الترانيم والرقص ولكنه حاول إيصال رسالة سامية عالية تتناسق مع الحياة.

والمهابهاراتا أبرز أعمال بروك الذي لجأ للمثيولويا الهندية حيث عرض هذا العرض لكنه هوجم بعاصفة كبيرة ولكن شجعه الهنود وأطلقوا عليه المحترف. فما الذي يفعله بروك كي يغضب التقليديين من الهنود؟!.

فلقد رأي بروك أن الهنود هم مفتاح حل فهم هذه الأساطير والتي ظللنا نستكشفها عن طريق الارتجال. إن هذه الجملة تأخذنا لبحث التقنيات والإشارة لبحث الخصوصية أي أن توظف الفنون المحلية لتستلهم الأصالة. ولقد قال بروك جملته الشهيرة رجعنا من الهند وقد عرفنا أن عملنا أن نوحي لا أن نقلد إنها تعلن فن الارتباط والالتزام بالتقليدية المتعارف عليها من الملحمة والانحياز التام باختبار الشعور.

ظاهرة إبداعية

أما الجزائرية ليلي بنت عائشة، فبدأت حديثها بشرح العلاقة بين التجريب والإخراج المسرحي، حيث ترى أن ظاهرة المسرح أهم الظواهر الإبداعية الأخرى، نظراً لما تنطوي عليه من خصائص وما تحتويه من بنى فكرية وجمالية، وهو في حركة دائبة في التطور المستمر والتجديد، خاصة في أواخر القرن الـ 19 وبداية القرن الـ 20، وقالت هذا التطور كان لابد أن تمتلئ معه الساحة المسرحية بتجارب لا حصر لها من حيث الكتابة الدرامية والأداء التمثيلي وفنون الإخراج.

أما الباحث المصري د. محمد هناء عبدالفتاح فأكد أنه ليس هناك فصل بين المخرج والسينوغرافيا وبالأخص المسرح البولندي ومنهم هاجي جلوتوفسكي ويوزيف تشابينه ومونيي، فالمخرج السينوغرافي يجمع بين مبدعين في شخص واحد يشكل رؤية واحدة.

القاهرة ـ داليا فاروق:

خدمة (وكالة الصحافة العربية)