تضمُّ الضاحية الجنوبية نحو 90 داراً للنشر تتوّزع بشكل رئيسي في حارة حريك والرويس وبئر العبد، أي في المناطق التي استهدفها القصف الإسرائيلي بكثافة. الآن لم يبقَ من هذه الدور إلا الثلثان.

لقد أصاب القصف 35 داراً و10 مطابع دُمِّر معظمها كلياً. وهذه الدور التي تعنى بالكتاب الديني في الدرجة الأولى تهتم أيضاً بالكتب السياسية والتراثية والتاريخية والأدبية مثل «مؤسسة إحياء التراث العربي»، «مؤسسة التاريخ العربي»، «مؤسسة جرير»، «مؤسسة فوزية فولادكار»، «دار ابن حزم»، «دار المحجّة البيضاء»، «دار الحداثة»، «دار الهادي»، «دار الحوراء»، «دار الأمير للثقافة والعلوم»، «دار البلاغ»، «مؤسسة الرسالة»، «دار الأعلمي»، «دار الهلال»، «دار البحار» وغيرها.

ولا تتوقف الخسائر عند دمار المكاتب والمستودعات والمطابع، بل تشمل أيضاً مخطوطات تعود إلى 400 سنة كالتي خسرها صاحب «دار الأمير» محمد حسن بزّي. بالإضافة إلى عشرات الأقراص المدمّجة التي تحتوي على مخطوطات كتب كانت في طريقها إلى النشر. وبلغت الخسائر المباشرة والأولية لأصحاب هذه المؤسسات نحو 75 مليون دولار.

لكن الخسارة لم تطل الضاحية الجنوبية فحسب، وإنما قطاع النشر كله في لبنان، ولا سيّما أنَّ العديد من دور النشر في بيروت يملك مستودعات في الضاحية أو يطبع كتبه في مطابع هذه المنطقة.

وهذا يعني ـ استطراداً ـ أنَّ الضاحية التي تبدو مستقلة بنفسها عن بيروت، ترتبط بالعاصمة بشبكة علاقات متنوعة بينها الطباعة والنشر. هكذا يصبح في الإمكان إضافة عبارة جديدة إلى الشعار القديم «العراق يكتب، مصر تقرأ، لبنان ينشر»: و«الضاحية تطبع».

وهذا ما يجعل عبارة «المربع الأمني مربع ثقافي أيضاً» التي ختم بها رئيس اتحاد الناشرين اللبنانيين محمد إيراني جولته التفقدية على الضاحية الجنوبية لبيروت إثر توقّف العمليات الحربية التي بدأت في 12 يوليو الماضي، على شيء من الصحة من غير أن تتحولّ شعاراً أو كليشيه.

حصار ومنافسة

لا تقلُّ خسائر قطاع النشر بسبب الحصار الذي فرضته إسرائيل على لبنان عن خسائر الحرب التي شنّتها. و«ربما كان الحصار مؤذياً أكثر» بحسب صاحب دار «المركز الثقافي العربي» حسن ياغي.

من جهة «ارتفعت أسعار المحروقات والورق، ونفدت أنواع من الورق»، ومن جهة أخرى أدّى الحصار إلى «تعطيل السوق الخارجية». هكذا اضطر «المركز» الذي يعمل في بلدين هما لبنان والمغرب إلى إيقاف العمل كلياً في المغرب بسبب عدم القدرة على شحن الكتب.

كما أنَّ الدار لم تستطع المشاركة في معرضي دمشق وعمّان. مشاركة جازفت بها «دار الفارابي» ـ رغم ارتفاع أجور النقل التي تتم من مرفأ اللاذقية ـ تأكيداً منها على «الرغبة في مقاومة الحصار واستعادة موقع لبنان الريادي في النشر العربي» كما يقول صاحب الدار جوزيف أبي عقل.

رغبة لا يقف أمام تحقيقها نتائج الحرب والحصار بل « الوضع الاقتصادي المتردّي وسياسات الدولة التي تهمل قطاع النشر، في حين تدعم الدول العربية قطاعات النشر لديها، ما يشكّل منافسة تستدعي إبرام اتفاقيات جانبية بين الدولة اللبنانية والدول العربية».

هذه المنافسة يؤكّدها ياغي معتبراً أنَّ «الكتّاب العرب باتوا ينشرون في سوريا ومصر بسبب رخص الورق والتكاليف». ورغم أنَّ «لبنان يعمل للخارج أكثر من الداخل، فإنَّ شحن الكتب يستدعي موافقة الأمن العام ووزارة الاقتصاد وغرفة التجارة والصناعة. ناهيك بالضرائب العديدة التي تفرضها الدولة على الكتب».

لكن هل تؤمّن الحريات الموجودة في لبنان عامل جذب يوازي قلة التكاليف في البلاد العربية؟ «لا ينفرد لبنان وحده بهذه الحريات. الدولة في المغرب لا تضع رقابة مسبّقة على النشر.

وكذلك الإمارات العربية المتحدة. بينما الرقابة في لبنان منوطة بالأمن العام لا بوزارة الثقافة أو وزارة الإعلام. وغالباً ما يكون المنع هنا بسبب اعتراض مؤسسات ومرجعيات دينية، أي من سلطات لا يمكن محاسبتها»، يجيب حسن ياغي، معتبراً أنَّ «شهرة لبنان في النشر تأتي أولاً من وجود بنية تحتية للعمل، كالمطابع الكبيرة والحرفة في الطباعة والقص والتجليد واختيار الغلاف المناسب والرهافة في الذوق والخبرة الطويلة في النشر التي باتت تاريخاً كاملاً».

لكن نبيل مروة صاحب دار «الانتشار يعتقد أن «أي انعكاس سلبي على حركة النشر اللبنانية سيكون له تأثيرات على الأسواق العربية لأنَّ طباعة النشر اللبنانية تُعدُّ الرافد الأساسي للمكتبات والقاريء العربي».

إذا كانت «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ظلّت تعمل أثناء الحرب كنوع من «التحدّي المهني والنفسي»، فإنَّ هذه الصورة لا تنطبق على دور أخرى مثل «النهار»، «الساقي»، «الجديد»، «شركة الريس للكتب والنشر»، «الآداب»، «الانتشار» وبقية الدور اللبنانية عموماً.

وهناك مؤسسات أخرى من تلك التي أصيبت عليها ديون لبعض هذه الدور، ما يجعل المطالبة بالمستحقّات صعبة في الوقت الراهن، إضافة إلى تأثّرها بكساد السوق الداخلية وعدم قدرتها على شحن الكتب إلى الخارج في فترة الحصار.

وهاتان الخسارتان تنطبقان على جميع الدور اللبنانية بحسب نشاطها في البلد أو في التصدير. ويضاف إلى ذلك «رحيل السيّاح الذين كانوا يرفعون المبيعات النقدية للدار في السنوات الماضية.

هذه المبيعات التي لها أهميتها لأنها تأتي مباشرة قبل تطبيق البرنامج النشري في شهر سبتمبر، شهر تنفيذ الطباعة وبدء موسم المعارض» كما تصرّح مديرة «دار الآداب» رنا إدريس.

هذه الأزمات مجتمعة دفعت الدار إلى «تقليص بعض العناوين التي كان من المزمع نشرها في الفصل الثاني من عام 2006 والفصل الأول من عام 2007، إضافة إلى التريّث في إصدار بعض الأسماء الجديدة التي كانت ضمن جدولنا لهذا العام».

الأمر نفسه ينطبق على «دار الجمل» في ألمانيا، والتي تعرّض الكثير من أصول كتبها للتلف بعد تدمير مكاتب المصممين. كما أنَّ «دار الجديد» التي تمثّل «دار الجمل» في بيروت أصيبت مخازنها في الضاحية بأضرار، ما فاقم هذا النوع من الخسائر.

وهكذا «تمَّ ترحيل البرنامج الذي كان من المفترض أن يصدر خلال فترة الحرب». يعلن الشاعر خالد المعالي صاحب وناشر «دار الجمل». ليست الحرب بمعناها العسكري وحدها عطّلت فاعلية قطاع النشر في لبنان.

مثلاً، «دار الساقي» التي خسرت أحد مستودعاتها في الضاحية الجنوبية، أجلّت «بعض العناوين بسبب الركود الاقتصادي وعدم وضوح الرؤية في الوضعين الأمني والسياسي»، وإن ظلّت الدار على سياستها في النشر، «بل ازدادت اقتناعاً بأنَّ الحداثة والفكر المتنوّر هما الطريق الأنسب نحو مستقبل أفضل» بحسب مديرها عصام أبو حمدان.

بدورها أجّلت «دار الفارابي» 15 كتاباً كانت ستصدر في أيلول الجاري بينها «إسلام الموحّدين» للدكتور أنور أبو خزام و«التسعينات الهادرة» لجوزيف ستيغلتز وكتاب «انفجار المشرق العربي» للوزير السابق جورج قرم. لكنَّ الكتاب الذي يؤرّخ للمنطقة العربية من عام 1956 إلى اليوم، سيصدر مع إضافة مقدمة عن حرب يوليو2006.

الجانب الرخو للأدب

«دار النهار» تأثّرت كغيرها بالحرب والحصار. لكنَّ الدار كما تفيد المديرة العامة لها سامية شامي «عملت على إقامة حملة إعلانية خلال الحرب لبعض الكتب ذات الصلة بالأحداث الراهنة، وعلى تخفيض الأسعار».

ولاحظت شامي أنَّ «الكتب المتصلة بهذه الأحداث وغيرها لاقت بعض الرواج». وإذ أكدت شامي على أنَّ الدار «باشرت العمل بقوة لتنفيذ برنامج النشر الكامل من دون نقصان في أي من العناوين المقررة»، أشارت إلى أنَّ الدار «تجد ما يشبه الانصراف عن الكتب الأدبية والثقافية (الشعر خصوصاً) إلى متابعة العناوين السياسية والدينية».

انصراف «دار النهار» إلى الكتب السياسية والدينية يفتح نقاشاً عن العناوين المطروحة بعد الحرب. في الحرب تبدو قراءة الكتاب الأدبي أو الثقافي عموماً شيئاً من الترف.

الحرب تأخذ الناس بها. ليس من السهل أن تجد هناك من يقرأ رواية ـ مثلاً ـ تحت القصف أو في مناخ لا يزال واقعاً تحت دوّي الغارات وصدى المعارك. لكن الإشكالية ليست هنا بالضبط وإنما في السؤال عن مدى تنشيط الحرب سوق الكتب السياسية. حدث هذا بعد «أحداث 11 أيلول» وبعد حربي أفغانستان والعراق.

هل يحدث هذا بعد حرب تموز؟ «شركة الريس للمطبوعات والكتب» التي أصدرت قبل أيام كتباً أدبية بينها «في حضرة الغياب» لمحمود درويش و«من سيرة الهرِّ المنزلي» للشاعر السوري لقمان ديركي، تفكّر في إصدار كتاب عن «الحرب والمقاومة» كما رجّح مسؤول التوزيع في الدار محمد الجعيد. الأمر نفسه سيكون محل اهتمام «دار الفارابي» بما يفوق اهتمامها ب»أحداث 11 أيلول».

وستدور هذه الكتب حول «تأثير الحرب على إسرائيل» كما أعلن جوزيف أبي عقل. أما «الآداب» التي «لا تنشر الكتب السياسية ذات الطابع الآني، بل تهتم أكثر بالكتب السياسية ذات الطابع النظري الإيديولوجي، يعتقد القيّمون عليها أن الكتب المعنية بمقاومة 12 تموز ستلقى رواجاً كبيراً في معرض بيروت العربي والدولي للكتاب». المعرض الذي أكدت هذه الدور جميعاً على المشاركة فيه.

استنتاج لا يوافق عليه حسن ياغي الذي اعتبر أنَّ «11 أيلول صنع كتباً كثيرة، لكن حرب أفغانستان صنعت كتباً أقل، وحرب العراق لم يصل عدد كتبها إلى حرب أفغانستان. ونصيب هذه الحرب من الكتب سيكون بالتالي أقل من حرب العراق.

والسبب أنَّ الناس باتوا يتابعون السياسة في الصحف والتلفزيونات». لكن نبيل مروة يرى أن «من المبكر التكهّن بما سيفرز هذا العدوان من العناوين الإيجابية والسلبية على السياسة والاقتصاد والكتب الاستراتيجية التي سيشهدها العالم العربي والغربي نظراً لكون هذا العدوان محط اهتمام العالم بأسره من خبراء في السياسة والاقتصاد والحروب».

أياً يكن، يبدو قطاع النشر اليوم أمام خسائر لم يُحصِها كاملة، المباشرة منها وغير المباشرة، وأمام نتائج لم تتضح جيداً، القريبة منها والبعيدة، في عالم تتمدد فيه حركة النشر وتتسع وتأخذ أشكالاً عديدة وتقنيات جديدة. وعليه، بدل أن ينصرف الناشرون في لبنان إلى تحديث أساليب عملهم، باتوا ينصرفون إلى بناء ما تهدّم وتعويض ما فُقِد وتنشيط ما تجمّد. إنها الحرب التي تعيد كلَّ مرة تأليف البدايات المؤلمة.

وهذا ما يضع قطاع النشر كله أمام تحديات عديدة بينها المنافسة السورية والمصرية بسبب تفاوت كلفة الورق واليد العاملة من جهة وبسبب المنافسة الخليجية المدعومة من الدولة، ولاسيما في الكويت والإمارات العربية المتحدة حيث يشهد الإعلام المرئي صعوداً يهدد مركزية بيروت على صعيدي الإعلام والإعلان.

بيروت ـ ناظم السيد::