هؤلاء الذين اغتربوا وليس لديهم أغنية ولا صياح ديك، ولا حتى سياج يقفزون عنه، الذين صداهم زعيق عربات الرحيل ولأحلامهم شكل الفراشة والقضبان، قد عرفوا اختلاف المسافات، فهل سيعرفون تشابه الأمكنة؟
بعيداً عن الوجوه الحزينة، كل المهازل لا توقظ ابتساماتهم، والغربة الناسية اعتزالها عن سهاد الليل، لا ترمي بنفسها في أول سكينة كي تلحق ضوء ذكرياتهم.. من كل مرافئ العالم السفن مبحرة كموجات متتابعة من شاطئ الأعمار.
أي عمر سيأتي برصيف آخر؟ أي كذبة ستأتي وتلعب بالأقدار؟ أي قمر يترك مداره وينسى بحرنا دون إغلاق، وكلنا على شاطئ الغريق نلملم حطام المراكب؟
كيف تكون هذه الذاكرة كنهر خارج ضفتيه؟ كيف يكون هذا المستنقع جدولاً دون منبع، وهذه الزغردة في الحصى لا تحرك خصر الأشجار؟ كيف نكبر خلسة ولا نجد عمراً في الماء؟
ياسمينة العمر تسلقت جدارها، وحين وصلت حدودها عش السنونو المهجور، سقطت دموعها البيضاء.. وكم كانت رائحتها حزينة..!؟
الشمس تميل للغروب.. دونوا ظلالكم واستطيلوا، فلا شمعة غير أصابعنا تفتح في الليل نافذة ، ولا دفتر غير أوجاعنا ندفن فيه ظل الشهيد.. ولا بد من حلزون جديد، هذا الرجوع للرحيل يبدد الصلوات، والقلب المشطور بين رئتين على وشك الانقباض.. أيتها الدقات.. يا إيقاعنا الساكن قوقعتنا.. على طول المدى سؤال للصدى.. نعش للأحلام.. رحم للأيام .. وماء للوليد.. لابد من حلزون جديد.