عرضت مؤخراً فرقة مديرية الثقافة بحلب على مسرح صالة معاوية مسرحية«مقام إبراهيم وصفية» تأليف : وليد إخلاصي وإخراج محمد طيلون، وذلك ضمن الفعاليات الثقافية لحلب عاصمة الثقافة الإسلامية.

تمتاز مسرحية «مقام إبراهيم وصفية» للكاتب العربي السوري وليد إخلاصي بأنها تقوم بفضح علاقات مجتمع تسيطر عليه عقلية متخلفة وظلامية وذلك بعيد استقلال سورية بفترة وجيزة، أي أواخر الأربعينات. تبدو الحكاية للوهلة الأولى بأنها مجرد قصة حب بين إبراهيم وصفية ومحاولة المجتمع المتصلب لإجهاض هذا الحب، لأنه يتنافى مع منطقه الغيبي وقوانينه المتخلفة التي ينسبها لمفهوم الدين والإخلاص. لكن محاور المسرحية تتطور لتكشف استغلال طبقة طفيلية لمجتمع كامل.

يختار إخلاصي حالة من الحب الاستثنائي ويضعها ضمن شروط اجتماعية تتحكم فيها التقاليد، حيث يخترق من خلالها ذلك الإرث المتخلف فيخلق لنا لوحة هائلة من التناقضات، التي تتحكم في مثل هذه المجتمعات.

و تتقاطع قصة الحب النقية مع مظاهر سياسية فإخلاصي يشير إلى فترة أواخر الأربعينات في سورية ويصور لنا بعض تلك المظاهر ويصور لنا تلك المظاهر من خلال الاستعداد للحملة الانتخابية، ويتبين من خلال الحوار أن الشيخ صالح والد صفية ليس معهم في حملتهم الانتخابية لصالح الحزب الحاكم. كذلك يرفض الشيخ صالح إعطاء ابنته لأبي الروس فهو، إذن، ليس تابعاً لهم. لقد وجدوا أن أفضل طريقة للضغط عليه هي كشفهم عن علاقة إبراهيم وصفية، مستخدمين «هبلة» كشاهد على ذلك.

وباعتقادنا إن إخلاصي لا يريد من مسرحيته الكشف عن الطبيعة الفاسدة للنظام السياسي ونفاق الوجهاء والمنفذين وإدانتهم فقط. بل يريد أيضاً استخلاص حكمة في مأثرة الحب ضمن شروط اجتماعية وسياسية معينة وهو بذلك يحكي عن الماضي ويستمر في الحاضر.

ليخلق أسطورة حب عربية معاصرة، ويجعل من إبراهيم وصفية رمزاً للحب والنقاء والتضحية يستمر في وجدان الناس الذين يتخذون من مقام إبراهيم وصفية مزاراً للمباركة وتطهيراً للنفس بعد قتلهما من قبل أبي الروس وأعيان الحارة، بعد أن رفض الشيخ صالح تزويج ابنته صفية لأبي الروس. إن مثل هذا الوضع اقتضى من الكاتب أن يعتمد على عناصر فنية من التراث والبيئة الشعبية كالأناشيد الدينية والأغاني التي تؤديها المجموعة مصاحبة المنشد. وكذلك خيال الظل. والكثير من الشعائر.

قدم المخرج محمد طيلون العرض ضمن تركيبه المسرحي الذي يعتمد على مبدأ التماهي و مبدأ اللعب. فالراوي ومجموعة الإنشاد والتمثيل يخلقون ذلك الانتقال من اللعب و المسرحة حيث الخطاب المباشر للراوي وتوجيهاته للممثلين مع التحضيرات للانتقال إلى الإيهام بالواقع واندماج الشخصيات بالأدوار. إن هذا التناغم بين مبدأ اللعب البريختي، ومبدأ التماهي هي الشخصيات يتوازى مع الحبكة الدرامية للحكاية الواقعية ومغزى الأسطورة المقدسة لإبراهيم وابنه اسحق.

لقد نجح المخرج أن يخلق تلك الأجواء الواقعية التي تتماهى مع الشعائر والطقوس والأناشيد الدينية ضمن جو مسرحي احتفالي، واستطاع أن يجسد الصراع بين الشخصيات بطريقة شعبية هي أقرب لمسرح الفرجة والحكايات الشعبية.

برز من الممثلين : ياسين عدس في دور «الشيخ صالح» الذي أداه بهدوء وبدون انفعال زائد ومحمد سالم في دور «أبو الكيف» حيث استطاع أن يصور شخصية المنافس «لأبي الروس» على الحارة والزواج من صفية وبرز كذلك فؤاد ويس في دور «أبو الروس» فقد أداه بقوة الشخصية المتنفذة والمسيطرة على كل شيء، وبرز باسل دهان في دور «هبلة» وقد شكل كل من محمد دباغ وديانا فلاحة ثنائياً جميلاً في دوري «إبراهيم وصفية».

كان ديكور منذر شرابة منسجماً مع طبيعة العرض الشعبي الاحتفالي وكذلك كانت الموسيقى المختارة والإضاءة التي أشرف عليها عمار جراح، فقد كانت عامة متناسبة مع الأجواء المفتوحة باستثناء مشاهد إبراهيم وصفية التي كانت خاصة ومعبّرة.

حلب ـ د.وانيس باندك