كنا نتمنى بادئ ذي بدء لو أن الكاتبة باسمة يونس سمّت مجموعتها الجديدة: علاقات خطرة، بدلاً من «علاقة خطرة»، نظراً لارتباط النصوص جميعاً بجانب إشكالي يشكّل خطورة ما على إحدى الشخصيات القصصية، أو عليها جميعاً، ان تعايشها معاً في حيز النصّ المتخيّل؛ وهي معايشة صراعية درامية في معظمها، تطلّبت من الكاتبة بذل جهود كبيرة لإدارتها على نحو ينتظم مع الحكاية وأحداثها في أسلوب امتاز بالحيادية والموضوعية.
ولكنّ شخوصها من لحم ودم، يقرأون بدورهم الواقع ويتعايشون من خلال ممكناته المفضية للخلاص من ظلم أو تجاهل أو عنف تبعاً لزمانهم الذي وجدوا فيه، والرغبة في تجاوز كلّ ذلك حاضرة دائماً من خلال مجريات الأحداث وجملة الصراعات التي أدارتها بلغة قصصية فيها شيء من الحداثة والجدة، وفيها شيء من البلاغة الشعرية المستمدة من عالم الشعر؛ فتثقل على هذه الشخصيات البسيطة، وتمنعها عن التعبير عن مواقفها بحرية تجاه من يستغل شرطها الإنساني في زمن فائض بذكورته وعنفه.
ومن هنا فإن الشخصيات النسائية على سبيل المثال ستكون في الغالب منكسرة وستعبّر، مُرغمة، عن مواقفها من خلال المونولوجات الطويلة لساردة من داخل الحكاية، وبذلك فإن المونولوج بمقدار ما يساعد في الكشف عما في أنواتها وآليات تفكيرها، بمقدار ما يعطي انطباعاً غير ايجابي عن موقف الكاتبة الفكري، على الأقل تجاه المرأة ونضالها للخلاص من الزمن القديم وقيمه المتشددة، إذ يلتمس قارئ المجموعة حرصاً كبيراً من قبل الكاتبة، على عدم المجابهة وتوخي السلام، على اعتبار أن وحدة العائلة لديها أهم من ترتيب العلاقات فيما بينها على نحو جديد ينسجم والتطوّر الذي أصاب الحياة والمجتمع ذاته.
وبالتالي فإن القارئ سيلاحظ أن الصراع بين الشخصيات النسائية والذكورية، كان محسوماً منذ بداياته لصالح منظومة الرجل السلطوية، ولصالح قيمه التي أنتجها في موضعة المرأة ضمن حيّزين اثنين لا ثالث لهما: حيّز الأمومة وفيضانها بالحنان والإخلاص، وحيّز «الأبلسة والشيطنة والأفعوية وما إلى ذلك من قيم ترتكز إلى مشترك جمعيّ واحد ووحيد، هو إغوائيتها المسببة لكلّ التعاسات القارة في الذاكرة الإنسانية منذ لحظة الطرد من الجنة وحتى يومنا هذا.
وبذلك، فإن النماذج النسائية في المجموعة سوف تتحدد مصائرها ضمن أحد النسقين المذكورين أعلاه؛ بمعنى إما أنها نماذج خيّرة أو أنها نماذج شريرة تبعاً لمجريات الأحداث وتطوّرها ومدى خضوعها للشرط الزمني الذي تضعها فيه. فالمرأة الأم في قصّتها الأولى: «احتضار الظلال»، والتي كانت مريضة وتُحتضر منذ بداية القصّة، لا يمكن أن تصنّف إلاّ في نسق الخير نظراً لأنها فائضة بمحبتها وأمومتها وإخلاصها غير المشروط لزوجها العامل على سفن الغوص؛ الذي يغيب طويلاً بينما هي تنتظره في البيت وترعى ابنه بكل صبر وتفان.
والكاتبة إذ تجاوزت سلوك الزوج المخاتل المتجلّي في محبّة غيرها، فإنها وعلى نحو رومانسيّ سوف تسافر داخل هذه المرأة المتعبة، فتؤسس للغة تحتشد فيها البلاغة والمشاهد البصرية الجميلة، لتدفع بالقصّ نحو وجهة أخرى، مؤكّدة بذلك قيم الحبّ السامية، حيث إن «أم ناصر» المُحتضرة تموت، والموت هنا سوف يكون سبيلها للانعتاق من أسر المكان والمرض، وتتحول إلى يمامة بيضاء تطير على نحو من السرعة نحو الشاطئ لملاقاة زوجها، وبينما هي في طريقها سوف يتراءى لها بما يشبه الحلم أن «أبا ناصر» عاد إلى شبابه، وهو يعانق شابة جميلة، ما زالت تذكرها عندما ذات مرة «فاح شجن الغرام من عينيه».
وبالرغم من تأثرها البالغ بهذا المشهد، إلاّ أنها لم تملك في النهاية سوى الغفران للعاشقين: «مددت جناحيّ فوق الشابين المحبّين، وخبأتهما عن عيون الآخرين، وشعرت أخيراً بأنني أموت وأنا مرتاحة».
والغفران هنا مطلوب لكي تحافظ على مكانها في نسق الخير سواء كانت حيّة أو ميتة، وإلاّ فإن مصيرها ربّما سيكون كمصير راقصة السيرك في قصّة «أخي والسيرك»، حيث يتّهم الأخ عبدالله بإقامة علاقة معها، وباعتبارها راقصة في سيرك متواضع، فإننا سوف نرى أن قيم الحبّ التي تُعلي الكاتبة من شأنها سوف تغيب في الوسط الاجتماعي، وتحلّ الكراهية بدلاً من هذه القيم، باعتبار أن الراقصة، والراقصات جميعاً ربّما، يُرمين في نسق الشيطنة والشر، فنقع على كثير من الأحكام القيمية لذلك المجتمع من مثل: «سعاد اللعوب، أناملها المصبوغة بالرجس، الأفعى الباحثة عن علاقة فاجرة، تلفّ ذيلها حول عنقه، وتمتصّ دماءه».
وهكذا فإن الموت قتلاً سيكون مصيرها، بينما الجاني، وهو الأب والوجيه الاجتماعي سيتم التغاضي عن سلوكه، كحرص مبالغ به في ما يسمّى بـ «وحدة العائلة» وتماسكها، أو ربّما لأنه رئيس للعائلة ويمارس سلطاته على نحو يخيفها، فتضطر إلى موقف السكوت والتغاضي، وخصوصاً من جانب الأم/الزوجة على الأقل، وبطبيعة الحال من جانب الأبناء أيضاً. والكاتبة إذ تركت نهاية القصّة مفتوحة على احتمالات شتّى، إلاّ أنه يتّضح لنا، أنّ ثمة أفقاً مبشراً يلوح من البعيد، ويتمثّل في وعي الشابين لهذه العلاقة الخطرة والسعي لتجاوزها بالرغم من آلامها.
وكذلك الأمر بالنسبة للمرأة الأم في قصّة «آخر ليلة دافئة» التي مات زوجها وهي شابة وفي مقتبل العمر، وبالرغم من عروض الزواج العديدة، إلاّ أنها آثرت تربية ابنها الوحيد، لكي لا يربّى في بيت رجل آخر، وهي تضحية أولى تصنّفها في حيّز الخير ذاته بالتأكيد، ولكنها إلى ذلك امرأة تعيش في وسط ذكوري ضاغط ومغلق، حيث العيون والأفواه تترصدانها دوماً، وتثار في المقهى أقاويل وأقاويل عنها وبخاصة من قبل «غانم» الذي مارس دور الشيطان، مما أوقع في نفس ابنها الشاب المهانة والمذلة، وليعيش صراعاً داخلياً أفضى به إلى الشكّ بأمه.
حيث نلتمسه منذ بداية القصّة يعاني من هذه المشكلة التي واجهته، ويحتار في كيفية الخلاص منها، إذ إنه شاب وطريّ العود، ولا قدرة له على مجابهة أولئك الذكور في المقهى؛ الذين دأبهم التعدّي على أعراض الآخرين، وبخاصة «غانم» الشرير.
ليصل الشاب في النهاية إلى قرار قتلها استجابة للشرط الذكوري في محو العار، وهو قتل معنوي على كلّ حال بدأ من لحظة تفكيره بهذا الحلّ الخاضع للعقلية التقليدية، وهو قتل حقيقيّ من جانب آخر كان ضرورياً لحلّ مشكلة السارد الابن، وفقاً لطقسية الأضحية، إذ لا ولادة جديدة بدون عنف ودماء، حتى ولو كان هذا العنف على شكل التضحية بذاتها من جديد في سبيل الولد، والدليل على ذلك ما قاله طيف الأب: «فدتك أمّك يا ولدي»، وكأن من واجب المرأة أن تكون على الدوام أضحية تساق للموت لكي تبقى مصنّفة في حيّز الخير.
والنموذج النسائي الآخر الذي سنتعرض له في هذا الصدد، هو نموذج الشخصية الساردة في قصّة «انكسار»، والتي يشي عنوان القصّة بما سيؤول مصيرها إليه، بالرغم من أمنياتها البسيطة والمتواضعة، إذ يتجلى الصراع في ذاتها على شكل مونولوج إنسانيّ طويل، يتّضح للقارئ من خلاله أنها امرأة مثقفة، ولكنها تعاني من هيمنة زوجها على مصيرها بما يشبه العبودية، ولكنها في هذه الليلة تقرر الخلاص من زوجها واستبداده بالهرب من البيت نحو فضاء الحرية الواسع ولو على حساب أمومتها، فنتابعها هائمة في الشوارع مندهشة بكم الحرية المفتقد في حياتها.
وكأن ثمة كاميرا سينمائية ترصد تفاصيل هذه الدهشة من الداخل والخارج، لنرى في النهاية كيف أن الصراع الداخلي انتهى لصالح الأمومة، إذ تستجيب المرأة لندائها وتعود إلى قيودها منكسرة وصاغرة للشرط الذكوري، لأنها في النهاية، وعلى الرغم من التشابه بينها وبين بطلة تولستوي «أنّا كارنين» لا تريد أن تؤول إلى ذلك المصير، وبذلك فإن بقاءها في النسق يتطلّب التضحية لأجل الأمومة على الأقل، والتضحية هنا موت معنوي بكل ما تعنيه كلمة «موت» من معنى للوجود والرغبات والثقافة وكلّ شيء.
أما في قصّة «علاقة خطرة»، فإننا لاحظنا جملة من المهارات التقنية في إدارة الصراع ما بين الذكورة والأنوثة ضمن النسق الشهرزادي للحكاية: إذ ثمة شهريار جديد سعى طوال حياته لجمع الثروة وتنميتها، ولكنه بعدما يصل إلى مبتغاه سوف يكتشف أنه إنسان مشوّه إنسانياً، وأمواله وقصوره وأملاكه الواسعة لم تجلب له السعادة، وإنما وحشة وكآبة وجحيم صقيعي تلفّ حياته، بينما في الكوخ القريب من قصره.
ثمة زوجين شابين يفيضان بالحبّ والسعادة، ويتساءل: لماذا لا أمتلك مثل هذه المرأة لتنير حياتي؟ وعبارة «لا أملك» هنا تكفي للدلالة على عقليته وآلية تفكيره إزاء المرأة، وتكفي أيضاً لإخبارنا أن قلباً مثل قلبه لا يمكن أن يكون عامراً بالحبّ، وإنما بالكراهية والحسد والغيرة من أولئك البسطاء الذين تعمّرت قلوبهم به، وفاضت حتى خرجت من نوافذ الكوخ على شكل شعاع أخّاذ.
وفي سبيل الحصول على ذلك الإشعاع، سوف يتحالف مع الشيطان، كما في رواية «فاوست» لـ «غوته»، إمعاناً في الضلالة لإغواء الزوجة الشابة أوّلاً، ولكنها عندما تبدي حزماً وتماسكاً، فإن الشيطان سوف يتجه للزوج ويملأ قلبه بالشكّ تجاه زوجته. وهكذا فإنه في النهاية يتمكّن منه فيغادر الزوج كوخه هارباً تاركاً زوجته الشابة لمصيرها المجهول، بمعنى أنه ضحّى بها من أجل الخلاص من شكّه وما يعتمل داخله من عذاب.
وبذلك ستغدو الزوجة هدفاً سهلاً للرجل الثري، الذي لن يهنأ بانتصاره، لأن الزوجة الشابة سوف تدرك لعبة الأنساق التي هندستها الذكورة، فتعمل على اجتياز نسقها الخيّر إلى نسق الشرور بالتحالف مع الشيطان ذاته للانتقام. ومن خلال تحليل القصص السابق، يمكننا الملاحظة أوّلاً أن غالبية قصص المجموعة تدور في فضاء المنزل والحياة العائلية.
وموضوعها الأساسي جسد المرأة المشتهى والمكروه ذكورياً، وأنه ليس ثمة إمكانية للتعايش بين طرفي المعادلة إلاّ بخضوع الطرف الأضعف لصالح الطرف الأقوى، فلا يبقى من سبيل أمام المرأة سوى التقوقع على ذاتها والتعبير عنها بلغة المجاز والإنشاء، لتصبح اللغة بمثابة الموضوعي لحريتها المستلبة، وهذا ما سنتطرق إليه في قراءة لاحقة، تغطي كثيراً من الجوانب التي تناولتها الكاتبة.
عزت عمر
