إذا كان القرن الماضي قد شهد بروز التيارات والفلسفات المادية التي طبعت وصبغت بدورها مجالات الأدب والإبداع الفني طوال المئة سنة الفائتة، فإن القرن الحادي والعشرين ربما يشهد عودة الاهتمام بالثقافة الروحية.
وعودة الآداب مرة أخرى لصياغة مفهوم جديد يركز على الذات باعتبارها روحا تتناغم مع الوعي الكوني الذي يدمج المحسوسات بالمجردات ويقبل بالتناقضات والمتضادات ويرى فيها عناصر متكاملة لا ينبغي ولا يمكن فصلها اذا ما أردنا فهم العالم بصورة تتجاوز النظرة المادية الأحادية التي ترى الحياة مجرد نتيجة لصراعات قوى الخير والشر وان هذا الصراع ربما يستمر الى الأبد..وهو ما يفسر قبولنا بالشر والرضوخ له باعتباره جزءا من طبيعتنا البشرية.
الإيمان بوجود ثقافة روحية ينبغي على الإنسان اكتسابها والتمرس والتأمل فيها يمثل جوهر الأديان الكبرى، وهو الغاية النهائية للفلسفات التي تحاول طرد الشر عبر تطهير النفس من الأحقاد والكراهية والنميمة التي هي آفة الآفات.
وفي الماضي كانت النصوص الأدبية في معظمها تذهب الى تمجيد الجوهر الروحي للإنسان وشرح سبل الخلاص من النوازع والأطماع عبر إذلال الجسد واخضاعه الى رزمة من الممارسات الروحية واولها الصلاة والصيام، وتزداد هذه الممارسات قسوة لدى الزهاد والمتصوفة الذين يذهبون الى حدود قتل كل رغبة جسدية عابرة من اجل التماهي مع المطلق الإلهي الخالد.
وإذا كانت الآداب على طوال التاريخ كانت تشطح أحيانا لتمجيد الماديات والتغني بالجسد الا انها لم تبتعد او تنكر يوما علاقة الإنسان الأساسية بالروحانيات، فيما نجد خلال إبداعات القرن العشرين قصائد وفنون ذهبت الى حد إلغاء كل الأبعاد الروحية في التجربة الإنسانية واهتمت بالجسد وباللحظة والمكان الآن في محاولة لفصل البعد الغيبي في رؤية الفرد للأشياء والحياة.
وحدث ذلك بالطبع بتأثير مباشر من الفلسفات المادية الجديدة التي احتكمت الى العقل والذهن وحاولت الابتعاد عن مفاهيم(الوعي الكوني) و(الجوهر الواحد) وغيرها من القيم التي ترى في العقل قصورا واضحا في فهم حراك العالم.
مهما تكن المكانة التي وصلت اليها هذه الفلسفات، الا ان الإنسان سيظل يدرك بالحدس ان العالم تحركه منظومة وعي لا يمكن إدراكها بالحواس المباشرة، وسيظل (الخيار الروحي) طريقا أفضل للخلاص من عشرات المناهج العقلية الجديدة.