ميتسو مدرب كتب قصصاً جميلة في الملاعب، وكتب في الوقت نفسه قصصاً رديئة ظلت عالقة في أذهان من قرأها.. وهو مدرب يعرف كيف يصنع المجد ويعرف متى يضيف ومتى يحذف.ابتسامته في التدريب تدفع اللاعبين نحو الاتجاه المطلوب، وغضبه يعادل رضاه في كثير من الأحيان من حيث النتيجة.

من سماته القيادية أنه يزرع في داخل كل لاعب روح النصر قبل أي مواجهة، لذا فإن مشروع الهزيمة لا يتسلل إلى «مقاتليه».تعوّد ميتسو أن يلعب بطريقة جيدة على العامل النفسي بموازاة العوامل الأخرى المعروفة في كرة القدم. قبل أن يعلّق أحذية اللعب على حائط الذكريات تفجرت في ذهنه عبقرية التدريب فسلك الطريق الوعرة باحثاً عن مجد لم ينله لاعبا.

التسلل إلى عقله كالبحث عن لؤلؤ ثمين في «هيرات» لم يكتشفها أحد بعد في أعماق البحر المجهولة.. نبضه يعمل على إيقاع النجاح الشخصي من خلال الجماعة.. لا يريد أن يكون رقماً في مجموعة، بل يريد أن تكون المجموعة كلها «كسراً» في رقمه.

يتميز ميتسو بقدرته على قراءة منافسيه في الميدان، ويدرك مثل الصياد الماهر ضعف طريدته غير القابلة للعلاج السريع.. ذكي في أحيان كثيرة فهو لا ينوي في ـ الحرب ـ قتل خصومه، بل يعبّد لهم طرق الهرب ليصبح قائدهم في مرات أخرى ويهزم من خلالهم آخرين وينصرهم في ميادين ومناسبات أُخر.

* هو مدرب يختلف عن الآخرين، كما يختلف عنه الآخرون.. قوته في بساطته، وعبقريته في قدرته على جمع المختلفين على مائدة واحدة.نجح لحد الآن في نشر فكره قبل اسمه، وفي بعض الأحيان معاً، فعندما يحترف في نادٍ ما، فإن الفريق يعرف فكر هذا الرجل قبل أن يسمع منه، وبوجوده يصبح الحمل أسداً.

ميتسو شخص في قصة، تشبه في بعض الأحيان الأفلام الهندية، وتتطابق في أحيان أخرى إلى حد ما مع المسلسلات المكسيكية المدبلجة.بعد هذا الإيجاز.. ميتسو باختصار قصة رجل هارب من النجاح إلى النجاح.. فهو محترف لا يحترم عقود الاحتراف..

عندما يوقع عقداً جديداً، وهو مثل زوج يحب استبدال زوجته مثلما يستبدل ثيابه الشتوية بالصيفية، حتى وان دفع المبلغ المؤجل.هروب ميتسو عنوان بارز، بل أهم العناوين التي رافقت مسيرته الاحترافية، وتاريخه شاهد على هذه القصة.

* بدأت قصة نجاح هذا الرجل المحب للمال في إفريقيا، وتحديداً في السنغال، وعندما مكث هناك قال: «عندما جئت إلى إفريقيا أصبت بصدمة، كان كل شيء غامضاً، لكنني اكتشفت فيما بعد قيماً حقيقية وقصصاً إنسانية رائعة مثل الصداقة والتعاون والتآلف.. أشياء فقدناها في أوروبا».

من هناك قاد الأسود السنغالية إلى كأس العالم بعدأن أزاح ثلاثة منتخبات عربية عن طريقه (مصر والمغرب والجزائر)، فأغرق هذه المنتخبات وأبحر في مركبه نحو كوريا واليابان بصحبة السنغاليين.هؤلاء السحرة فقدوا قدرتهم على السحر عندما اطلعوا على قدرة الساحر الفرنسي، فأطلقوا عليه «جونو» ويعني القائد الذي يوزع الإلهام على من حوله.

* في صيف 2002 وعلى استاد «سيئول» بكوريا الجنوبية وبشهادة حكمنا الدولي علي بوجسيم استطاع «جونو» أن «ينتف» ريش الديوك على مرأى الملايين.

* لم يتوقف قطاره بالفوز على فرنسا، بل استطاع أن يتأهل إلى دور الثمانية في إنجاز تاريخي للكرة السنغالية، وبهذا تحول المغمور ميتسو إلى علم في العالم وإلى بطل قومي في السنغال يحظى بشعبية جارفة.

وفي خضم هذا الحب الجارف وهذه الشعبية التي يتمناها كل مدرب، أغلق ميتسو عينيه عن هذه الصور ووضع قطناً في أذنيه حتى لا يسمع هتافات المحبة وأدار ظهره لمن أحبوه وقلدوه أوسمة المجد باحثاً عن عقد جديد قبل أن ينتهي عقده السنغالي.. ولأن السنغاليين طيبون فقد نصبوا مآتم العزاء لهذا الفراق، تاركين «جونو» يختار المكان الذي يناسبه.

* حملته شهرته هذه المرة إلى العين النادي الإماراتي الكبير، أو الزعيم، لكثرة ألقابه، وبدأ مسيرة ناجحة بدأت بحب كبير وتعاون مثالي، فمعروف عن الإدارة العيناوية أنها توفر كل مستلزمات التطور للمدربين، وفعلاً ما كانوا يخططون له، وبالكتيبة العيناوية حقق ميتسو بطولتين معاً هما الدوري والسوبر، وفي عام 2003 حقق بطولة الأندية الآسيوية في أول إنجاز آسيوي للأندية الإماراتية.

وهنا تحول من «جونو» الإفريقي إلى بطل آسيوي اسمه يتردد في المدارس ووسائل الإعلام وتكتب عنه العديد من المقالات والدراسات، وقبل أن ينتهي عقده وفي غفلة من الزمن سال لعاب ميتسو على «ريالات» الغرافة دون أن يكمل فترة العقد.. وبهذا يكون العين قد شرب من نفس الكأس التي شرب منها السنغاليون، غير أن العين استطاع أن يسترد حقوقه المادية عن طريق الفيفا.

في الغرافة استقبل الهارب من عقد الاحتراف ميتسو استقبالاً حاراً، وتصور أبناء الغرافة أن علاقتهم بـ «الديك الفرنسي» أو «جونو» الإفريقي ستكون عقداً كاثوليكياً لا انفصال فيه، غير أن هذا لم يحدث، فواصل صاحبنا مسلسل الهروب.

وهذه المرة وحسب التسريبات إلى الإمارات لتدريب منتخبها الأول، وبدأت الصحف تبحث عن أسرار التعاقد وتبحث عن مصادر تعلن لها الخبر اليقين، إلا أن ميتسو فاجأ الجميع وحط رحاله في اتحاد جدة السعودي، وقبل أن يجف حبر العقد، حملت لنا الأخبار تعاقده مع اتحاد الكرة الإماراتي لتدريب المنتخب الأول وبدأت رحلته ومازالت.

إن قراءة متأنية في حياة ميتسو الاحترافية تكشف لنا عن العنوان البارز الذي يكمن في الهروب (هروب ميتسو) فهو هارب يبحث عن شيء يدور في مخيلته.وإذا أراد أحد أن يستغل هذه الثغرة الموجودة في حياة ميتسو فإنه قد يساعده على الهروب من تدريب منتخبنا قبل انطلاق خليجي 18 في صورة مفاجأة، ومن ثم يزعزع الوضع النفسي للمنتخب ويسلب منه أهم عناصر القوة.

ماذا أعددنا لهذه الحالة الطارئة؟ ماذا أعددنا لهروب ميتسو غير مقاضاته في الفيفا ودفع الشرط الجزائي؟

إذا كان هروب أدفوكات في وقت سمح لنا بالتأني والصبر، فإن هروب ميتسو إذا حدث في وقت حرج من الصعب معالجته إذا لم نكن قد أحسنّا الاستعداد لمثل هذه الحالات الطارئة.

نتمنى ألا يتحقق هذا الهروب، وتفشل السيناريوهات الموضوعة من قبل البعض لتحقيق هذا الغرض، ولكن الأمنيات وحدها لا تكفي.لا نريد من هذا الموضوع إثارة البلبلة، بل اخترنا الوقت المناسب بعد تأهل منتخبنا لنهائيات آسيا، هناك من يفكر بسلب بعض عناصر القوة من منتخبنا، فلم يجد هذا البعض غير ميتسو ورغبته المعروفة بالهرب، فالأرض والجمهور لا يستطيع أحد أن يحيدهما، لذا سيبدأ الطرق على هذا الموضوع سراً حتى ينضج.

تعالوا نناقش هذا الموضوع بتروٍ ودون انفعالات، فالافتراضات في كثير من الأحوال إيجابية وليس دائماً سلبية كما يرى البعض.تحياتنا لاتحاد الكرة وتحياتنا للمدرب القدير ميتسو..ونأمل أن نلتقي على بساط المناقشة من أجل منتخب قادر على تحقيق ما يحققه السابقون.والسؤال الذي يطرح نفسه، ماذا أعد اتحاد الكرة لمواجهة مثل هذه الأزمة إذاحدثت في وقت حرج ؟

عمران محمد