في الوقت الذي يصَر فيه معرض الشارقة الدولي للكتاب على تقديم أفق جاد وحقيقي للحوار وتبادل الآراء والأفكار، من خلال سعيه إلى تذكير القراء بأهمية الكتاب ودوره الفعال في تقديم الجوانب الإيجابية لهذا الحوار بعيداً عن العدوان والشر الذي يحول حياة البشر إلى أرقام بلهاء في نشرات الأخبار وأنباء الصحف،
فكان القرار الأخير بإعفاء دور النشر اللبنانية من رسوم المشاركة في المعرض الذي يحتفل هذا العام بمرور ربع قرن على استمراره دليلاً على أن المعرفة والثقافة الإيجابية يمكن أن تكون البلسم للجراح التي لم تندمل، كما يمكن أن تفتح دور النشر الجديدة كما الكتب أبواباً مشرعة للآراء النيرة، على عكس ما أسفرت عنه اقتباسات «بنديكت السادس عشر» عن كتاب قديم يعج بالعنصرية والافتراءات التي تحاول المساس بحضارة كان لها الفضل الأكبر في دفع أوروبا للخروج من عصور الظلام الذي أنتجت مثل هذه النوعية من الكتب العقيمة.
والمضحك إلى حدود السخرية، أن تحتفظ مؤسسة روحية يدين لها الملايين من الناس بالولاء الأعمى، بهذه الكتب التي تتطاول على ديانة سماوية سمحاء، وكأنه لم يعد ينقصنا إلا هذه النوعية من الآراء التي لا تقدم إلا المزيد من المشاكل والصراعات التي يبدو أن الفكر الغربي مازال رهين سطوتها وسحرها الأسود.
متناسياً أن قرطبة على سبيل المثال لا الحصر، كانت في زمانها منارة للعلم والثقافة والمعرفة، تشع بالحياة والنور والإبداع، يتوافد إليها طلبة العلم من كل الأنداء، بينما كان خلفاء المسلمين وعلماؤهم يفاخرون ويهدون ملوك وأمراء أوروبا إبداعاتهم الفلكية والفكرية والإنسانية، ولنا أن نتذكر فقط الساعة العجيبة التي أخذت بلب «شارلمان» وحاشيته،
والاسطرلاب العربي ومئات الاختراعات العربية التي مازالت في كهوف المتاحف الأوروبية، حالها كحال الألوف المؤلفة من الكتب العربية التي سلمت من الحرق والدمار، وبقيت رهينة حبيسة العنابر والظلمات، في ذات الوقت الذي توقف الفكر الأوربي عند محاكم التفتيش وأعمدة هرقل وملاحقة كل من يعارض الآراء الأحادية القاصرة.
بعيداً عن سيل الاحتجاجات والمظاهرات العفوية التي عبرت عن ثقافة الرفض لكل ما هو نقيض للفطرة الإنسانية المحبة للألفة أما كان الأجدى الدعوة إلى تعميق الحوار وتقديم كل التسهيلات الممكنة لمواصلة رحلة التقارب بين الثقافات والحضارات، بدل الدخول في متاهة التبريرات والاعتذرات التي لا يمكن أن تتحول من جديد إلى براكين من الغضب في حال تكرر الخطأ بطريقة أو بأخرى.
اليوم وقبل أي شيء يحق لنا أن نسأل أنفسنا قبل الآخرين هل يحق لنا أن نشارك «حبر الفاتيكان» أحزانه وأسفه وننسى ما قاله، ونحن نعيش في وقت يشعر فيه الجميع بالحاجة إلى الحوار والتسامح، بدلاً من التلميحات والإشارات التي تدعو ضمناً إلى إلغاء ثقافة الحوار مع الآخر مهما كان هذا الآخر مختلفاً، متبايناً، يمتلك مفرداته الخاصة، النابعة من ثقافته وبيئته ومعتقداته،
وكيف يمكن أن تصل أصواتنا إلى كل المتمترسين بالخرافات والأكاذيب، لنقول لهم بكل هدوء إنهم على خطأ، نأخذ بيدهم إلى النور وأطياف الكون الواسعة، بعيداً عن ظلام الفكر والعقل الذي ما وجد إلا لسعادتنا ورقينا، نحن البشر التائهون دائماً والمحتاجون على الدوام إلى من يهذب جهلنا ويعلَمنا أبجديات قراءة الكتب والأفكار والأرواح المجنَدة الملتقية على الود دائماً.
alomawi@albayan.ae