نما إليّ، أن الفنان العراقي المعروف «فؤاد سالم» في العناية المركزة، وفي الوقت الذي أصلي من أجل شفائه، إلا انني أذكر فؤاد بحب، صديقاً وأخا، ورفيق درب، وقد زاملني وزاملته فترة طويلة، وحققنا بعضاً من أحلامنا يوم كانت تلك الأحلام مشاريع عمل، وإضافة إبداعية للفن.

يصغرني بسنوات معدودات.. وأعرفه منذ الطفولة حيث كنا «أبناء فريج واحد» ثم في بداية حياتي العملية كنت مشرفاً مسرحياً، وكان هو ما زال طالباً في مدرسة المربد المتوسطة في البصرة، وبذلك أصبح وبفخر شديد أحد طلابي الذين كان لي شرف تعليمهم ولو نسبياً.

في أول تجربة مع فؤاد قبل أن يصبح نجماً، قدمناه على المسرح ليغني ( لي خليل حسيب) لكنه لم ينجح، وكانت أغنية باهتة لم يحقق بها اي شيء، لكن طموحه أكبر من ذلك، خرج من دائرة الاهتمام البصرية، ليدخل إلى دائرة الضوء البغدادية معتمداً على موهبته، وحنجرته الذهبية، وصوته الرجولي الرخيم، وحضوره الجميل ومثالية أخلاقه ومنبته، وفي إطار نهضة شبابية لم تلغ الماضي والمرجعية الفنية، إنما اعتمد عليها ليقدم الجديد الذي شكل انتقاله في تاريخ الغناء العراقي، تلك الموجة التي حملت إلينا إضافة إلى فؤاد سالم، ياس خضر.

وفاضل عواد، وسعدون جابر، وأمل خضير، وحسين نعمة، وغيرهم، وكانوا امتداداً جديداً وحديثاً ومتطوراً، لعمالقة سبقوهم أمثال محمد القبانجي، وعباس جميل، وناظم الغزالي، وحضيري أبو عزيز، داخل حسن، وسليمة مراد، ومائدة نزهت، ورضا علي.. وغيرهم.

تبناه أستاذه الموسيقار سالم حسين الذي منحه اسمه كأب روحي، وأصبح فؤاد سالم بدلاً من «فالح حسن» وهو ينتمي إلى عائلة معروفة من عوائل البصرة، وبدأ مسيرته الجديدة محققاً نوعاً جديداً من الطرب متأثراً بناظم الغزالي، لكنه لم يكن نسخة منه، إنما حقق لنفسه شخصية مميزة تقف إلى جانب أساتذته.

بعد محاولتنا على المسرح التي لم تنجح، حاولنا أيضاً الدخول إلى عالم السينما، ونجحنا فنياً في أكثر من فيلم، إلا أن هذه الأفلام لم تر النور لإشكالات إنتاجية لا مجال لذكرها، وبذلك مات الحلم السينمائي، وكان بطل تلك الأفلام فؤاد أيضاً، وكنا قد شكلنا فريقاً فنياً من الشباب حينذاك، رحل البعض إلى العالم الآخر وفي مقدمة الراحلين صديقنا الفنان الكبير جبار داوود العطية.

في عام 1969 كنا مجموعة من الفنانين البصريين الشباب، مسرحيين، وموسيقيين، وشعراء، كانت طموحاتنا تدفعنا لتحقيق ما لم يحققه أساتذتنا الكبار. وبعد لقاءات ونقاشات وجدنا أن المسرح الغنائي العراقي لم ير النور حتى ذلك العام، وقد سبقتنا مصر بعقود متجذرة من عهد سيد درويش، وبدأنا نرسم مخططنا لتحقيق هذا الحلم يضم هذا الفريق حميد البصري، طالب غالي، كوكب حمزة، قصي البصري، والعبد الفقير، ومجموعة أخرى لا مجال لذكرها.

وكان نجمنا فؤاد سالم والفنانة سيتا وأم لنا، وشوقية وبالفعل نجحنا في تحقيق أول أوبريت غنائي مسرحي عراقي في يوم 14 (يوليو) عام 1969 بعنوان «بيادر خير» على قاعة مسرح الخلد في بغداد، لنسجل الريادة الجماعية والفردية في هذا الفن، الذي أعقبناه بنفس المجموعة بأوبريت آخر تحت عنوان (المطرقة)، ثم بالمسرحية الغنائية «العروسة بهية» وفتحنا باباً واسعاً لفن المسرح الغنائي، وكان فؤاد نجماً بكل معنى النجومية، أداء وريادة.

لقد حقق فؤاد سالم للأغنية العراقية إنجازات عديدة، وساهم بشكل فاعل وأساسي في تأسيس المسرح الغنائي العراقي، فنان يملك إحساسه وموهبته، التي صقلها بالتخصص الفني، وإنجازاته لا يمكن تغطيتها بهذه السطور المعدودات، ومسيرته تحتاج إلى دراسة تفصيلية لأنها تعبر عن مرحلة مهمة من تاريخنا الفني، وتكشف عن إنسانية ووطنية فؤاد، وانتمائه العراقي - العربي.