يستقبل الشعب التركي المسلم شهر رمضان المبارك بمظاهر من الفرح والبهجة، مثلما هو الحال عند كل الشعوب الإسلامية في أركان المعمورة، والحقيقة أن هذه المظاهر العلنية من الشعب التركي فيها البراهين والأدلة الكافية على عمق وترّسخ الإسلام، وفي فقرات هذا التقرير نستعرض ونقدم بعضًا من المظاهر التي تجتاح الشارع التركي مع أيام شهر رمضان المبارك.
يتمسك الأتراك بظاهرة إنارة مآذن الجوامع المنتشرة في تركيا عند صلاة المغرب وحتى الصباح الباكر مع بدء أيام رمضان، وأيضًا في المناسبات الدينية الإسلامية، ويقول رئيس هيئة الشؤون الدينية التركية «بأن الهيئة ترعى حوالي 77 ألف جامع في تركيا، وأن الشعب التركي لا يمكن أن يعيش من دون جامع وأذان».
وتصحب ظاهرة إنارة المآذن ظاهرة أخرى هي أيضًا من نفحات الشهر الكريم، ألا وهي صلاة التراويح التي تتمتع بحب عظيم واحترام كبير عند أفراد الشعب التركي، فبعد تناول طعام الإفطار يهرع الأطفال والشباب والنساء والرجال ناحية الجوامع والمساجد لحجز الأماكن في صلاة العشاء ومن بعدها صلاة التراويح التي تتم على المذهب الحنفي، ويقوم أهل الخير من الأتراك بتوزيع الحلوى على الأطفال المشاركين في صلاة التراويح عقب انتهائها.
الحقيقة أن الأتراك من أكثر الشعوب الإسلامية حساسية واحتراماً وتبجيلاً لكتاب الله، فالقرآن الكريم مثلاً يوضع أعلى الكتب في المكتبات أو في مكان بارز داخل المنزل أو المكتب، ولا يقبل الأتراك بأي حال وضع القرآن الكريم بين الكتب العاديّة أيًّا كان شأنها أو قيمتها، بل يضعونه أعلاها دائماً، ومن العادات الجميلة والمحبوبة عند الشعب التركي اهتمامه بقراءة القرآن طيلة شهر رمضان،
فعلى صعيد تلك العادة المحبّبة يقوم الأتراك من الرجال بتقسيم سور القرآن الكريم فيما بينهم، على أساس قدرة الشخص في تحمل قراءة كمٍّ من السور القرآنية، فالبعض يقبل قراءة سورة والبعض الآخر يقبل قراءة أكثر من سورة،
وفي الأيام الأخيرة من شهر رمضان تقوم هذه المجموعة أو تلك التي انتهت من ختم القرآن بالذهاب سويًّا إلى أحد الجوامع القريبة لكي تقوم بالدعاء الجماعي الخاص بختم قراءة القرآن، و يشارك إمام الجامع في الأغلب هذه الجماعة في مسألة الدعاء والحفل الديني الصغير الذي يقام داخل الجامع على شرف القرآن الكريم.
قبل 18 سنة تقريباً بدأ الشعب المسلم في تركيا إتباع ظاهرة جديدة، لم تكن موجودة عند الأتراك من قبل، وهي إقامة معرض للكتب الدينية يبدأ في الأسبوع الثاني من شهر رمضان، ويستمر حتى نهايته، ويقام هذا المعرض سنويًّا في الجامع الكبير«أولو جامع» بالعاصمة أنقرة، وفي الرواق الداخلي لجامع السلطان أحمد بمدينة إستانبول، وترعاه هيئة الشؤون الدينية (الوقف الخيري للنشر) بالتنسيق مع وزارة الثقافة التركية.
وتبدأ أنشطة هذا المعرض بعد صلاة المغرب من كل يوم، حيث يتوافد الآلاف من الأتراك، رجالا ونساء، على ميدان السلطان أحمد في إستانبول لأداء صلاة العشاء وصلاة التراويح، ثم يتجولون في معرض الكتب المقام في الصحن الداخلي للجامع، وعلى هامش نفس المعرض تتم إقامة معرض آخر يتعلق بفنون الخط العربي والتذهيب، وهما من الفنون الإسلامية الشهيرة عند الأتراك.
ويقوم تلفزيون وإذاعة الدولة شزش 1- شض في أيام السنة العادية ببث فقرة دينية لمدة تتراوح بين ربع إلى نصف ساعة عصر يوم الخميس فقط، ولكن في شهر رمضان وقبل سنوات قليلة فقط بدأ تلفزيون الدولة ببث أذان المغرب والفجر حيّا من الجوامع الكبيرة طيلة أيام الشهر، ولعلّ تلفزيون الدولة يحاول بهذا الموقف الجديد ـ بث الأذان على الهواء مباشرة وقراءة القرآن ـ الحفاظ على موقعه بين المحطات الخاصة التي تنافسه بشدة وتخطف منه الأضواء كل يوم.
وفي الوقت الذي يقدم تلفزيون الدولة برنامجين أو فقرتين دينيتين قبل الإفطار وقبل السحور مدتهما محدودة، وبرنامجًا ثالثًا يوميًّا يخص مائدة الإفطار خلال شهر رمضان، علاوة على بعض الأفلام أو المسلسلات الدينية المدبلجة من العربية، تقوم المحطات الخاصة ببث برامج كثيرة ومختلفة خلال الشهر الكريم،
فهناك أفلام سينمائية ومسلسلات اجتماعية، إضافة لبرامج وقت الإفطار ووقت السحور تبث فقط في شهر رمضان، وفي السنوات الأخيرة درجت بعض المحطات التلفزيونية الخاصة على ختم القرآن الكريم خلال أيام الشهر، وتخصص البعض منها برنامجًا يوميًّا عن المسحراتي.
ومثلما تنشط المحطات الخاصة التلفزيونية في رمضان، فإن المحطات الإذاعية الخاصة والتي تبث على موجات ئح تنشط بشكل أكبر، وتسيطر على مشاعر الناس في أوقات النهار وعلى النساء بالذات .وتعد بلديتي إستانبول وأنقرة أولى البلديات العامة التركية التي تقدم طعام إفطار ساخنا وطازجا للصائمين في الشوارع والميادين، وقد بدأت هذه الظاهرة في عام 1995/1415ه،
ومن ثم فقد كانت فكرة الموائد الرمضانية العامة والمجانية التي تقام في الشوارع مناسبة جداً لخدمة الألوف من الصائمين الأتراك الذين لا يستطيعون إدراك الإفطار في بيوتهم. يقع جامع الخرقة الشريفة في أشهر أحياء مدينة إستانبول، وهو حي أو محلة «الفاتح» والذي يقع في القطاع الأوروبي من المدينة، وهو من الجوامع التي بنيت في العصر العثماني،
حيث سمي باسم الخرقة الشريفة بسبب أنه يحتضن في مكان مميّز داخله الخرقة النبوية الشريفة التي أحضرها السلطان سليم لإستانبول بعد رحلته للشرق في عام 1516م، وتعد زيارة الجامع وإلقاء نظرة على «بردة» الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أشهر مظاهر شهر رمضان عند الأتراك، ولا يسمح في العادة بفتح مكان الأمانة الشريفة للزيارة في أيام السنة،
ولكن ابتداء من النصف الثاني لشهر رمضان المبارك يسمح بزيارته وخاصة للنساء، حيث تتوافد الألوف كل يوم من جميع أنحاء تركيا لإلقاء نظرة على الأثر أو الأمانة النبوية الشريفة، وتبدأ الزيارة بعد الإفطار وتستمر حتى ما قبل وقت الفجر، ويتم تنظيم دخول الرجال قبل الإفطار وأوقات النهار،
أما النساء فتكون زيارتهن في الليل، وربما يكون المقصود من السماح للنساء بالزيارة في وقت المساء والليل لكي تعطى الفرصة للوفود والجموع النسوية الراغبة في الزيارة اللواتي يأتين من على بعد مئات الأميال
فلا يصلن بالطبع إلا في الليل، ويعدن في حافلات جماعية تخصص من طرف الجمعيات الخيرية لنقلهن بين بلداتهن وقراهن وبين مدينة إستانبول، وزيارة جامع الخرقة الشريفة أصبحت من العادات الشعبية عند الأتراك والتي تتجلى بوضوح في شهر رمضان.
من عادات الأتراك في شهر رمضان أيضا أن يبدأوا إفطارهم بتناول التمر أو الزيتون، ويأكلون التمر والزيتون والجبن بأنواعه قبل تناول الطعام الشهي، والبعض يقوم لأداء صلاة المغرب أولاً، ثم يعود لمائدة الطعام مستمراً في إفطاره، والبعض يكمل إفطاره ثم يؤدي صلاة المغرب.
وفي شهر رمضان تقوم الأفران والمخابز بصناعة خبز خاص بهذا الشهر ويسمونه «بيدا» وهي كلمة فارسية تعني«الفطير»، وهو نوع من الخبز المستدير بأحجام مختلفة ويباع بسعر أغلى من سعر الخبز العادي، ولمّا كانت فطائر ال«بيدا» تخص شهر رمضان فإن الأطفال يقفون في صفوف طويلة قبل موعد الإفطار بقليل للحصول على الفطائر الطازجة.
والأتراك عادة من الشعوب الإسلامية التي تتمتع بثقافة في الطعام والشراب تفوق قرناءها، وتعتبر الكنافة (العجائن المستديرة والتي تمتلئ أو تحشى بالمكسرات، وتسمى عند أهل الشرق بالقطائف)، والكلاج والبقلاوة من أبرز أنواع الحلويات التي يقبل عليها الأتراك في شهر رمضان، ولكن يظل دائمًا وأبدًا طبق الشوربة الساخنة من الأطعمة الأساسية في المائدة التركية، ولعل هذا راجع لظروف المناخ البارد في أكثر أوقات السنة.
في الختام، فإن أبرز مظاهر شهر رمضان عند الأتراك تبدو بوضوح في مدينة إستانبول التي تضم أكبر وأجمل مساجد الدنيا من الناحية المعمارية والفنية، وفي إستانبول أيضا تكمن أكبر كثافة سكانية في تركيا (حوالي عشرة ملايين نسمة)، والمدينة تمثل الرمز الإسلامي عند الشعب التركي منذ فتحها في عام 1453 السلطان محمد الأول الذي لقبّه الأتراك بالفاتح،
ولا غرابة في أن تستحوذ إستانبول على المظاهر الحيّة لشهر رمضان فهي المدينة التي ظلت عاصمة للدولة العثمانية الإسلامية قرابة خمسة قرون، ففيها يقرأ القرآن يوميًّا وبدون انقطاع على مدار الأربع والعشرين ساعة في قصر «طوبقابي» (الباب العالي)، إضافة إلى الأمانات النبوية المقدسة التي جلبها السلطان سليم الأول عند نزوله للشرق العربي في مطلع القرن السادس عشر.
رمضان عطلة اختيارية في الفلبين
كانت الفلبين من البلاد التي وصل الإسلام إليها بواسطة التجار المسلمين، الذين يرجع إليهم الفضل في نشر الإسلام في دول جنوب شرق آسيا عن طريق الدعوة إليه، حيث اقتنع أهالي هذه البلاد بالدعوة الإسلامية وبما لمسوه عند هؤلاء التجار من سماحة الإسلام وتطابق دعوتهم مع أفعالهم؛
فكانت بذلك التجارة هي الممر الذي دخل من خلاله الإسلام هذه البلاد. وظل الإسلام هو الغالب فيها إلى أن هزم ماجلان الصليبي أهلها واحتلتها إسبانيا من بعده، وذلك في عهد فيليب الثاني عام (1568م)؛ فتغلب الصليبيون عليها وقهروا أهلها.
إن لشهر رمضان سمات توارثها أهالي هذه البلاد، فأيامه تُعتبَر بالنسبة إليهم عطلةً اختياريةً، فما إن تثبت رؤية الهلال إيذانًا ببدء الصوم حتى يشترك جمع كبير من الرجال والنساء والأطفال في إقامة الابتهالات، كما يهرع المصلون إلى المساجد لإضاءتها والاعتكاف بها،
فهم يعتبرون المسجد طوال أيام رمضان المكان المُختَار للقاء العائلي. وهذه عادات متوارثة تيقنًا منهم بأن رمضان شهر العبادة والتقرب إلى الله، ولابد من التسابق بين العائلات في عمل الخير وتقديم المساعدات للفقراء والمحتاجين.
وإذا ما تناولت إفطارك على إحدى الموائد الفلبينية، وجدتهم يبدأون بتناول مشروب مفضل بالنسبة لهم، ويتكون من الموز والسكر ولبن جوز الهند، ثم يقدم الكاري - كاري، وهو مكون من اللحم والبهارات، و«السي - يوان سوان» وقد طبخ من السمك أو اللحم.
وما إن ينتهِي الإفطار حتى ترى المسلمين مُسرِعين إلى المساجد لتأدية صلاة العشاء، وبعدها تقام الأذكار وتُختَم بصلاة التراويح، وهي واجبة الأداء وتتكون من عشرين ركعةً. أما بالنسبة لانتهاء الإفطار عند الأطفال،
فتجدهم يخرجون مرتدين الثياب المزركشة حاملين في أياديهم ما يشبه فوانيس رمضان، يغنون أغانيهم الوطنية ويتجمعون في شكل فِرَق يذهب كل فريق إلى أقرب مسجد حيث يستقبلون المصلين بالأغاني والأناشيد، ثم يزورون المساكن المجاورة للمسجد ويظلون على هذه الحال حتى يحين موعد السحور، فيقومون هم أنفسهم بإيقاظ الأهالي لتناول السحور.
وغالبًا ما ترى نفس طعام الإفطار على موائد السحور، مُضافًا إليه نوع من الحلوى يُسمَّى (الأيام) وهو ما يشبه القطائف المصرية، وشرابَيْ الليمون وقمر الدين، كما أن هناك أيضًا أنواعًا من الأطعمة تُؤكَل في السحور، أهمها: الجاه، والباولو، والكوستارد - وهو مكون من الدقيق والكريم والسكر والبيض.
ومن العادات التي يتميز بها المسلمون في هذه البلاد أنهم يتزاورون خلال شهر رمضان؛ فتقضي الأسر الفقيرة أيام الشهر كله متنقلةً على موائد الأسر الغنية المجاورة من دون حرج، كما يجمع الأغنياء صدقات رمضان ليتم توزيعها على هذه الأسر ليلة النصف من الشهر.
ولو سألتَ أحد سكان جزر الفلبين عن كيفية إخراج زكاة الفطر عندهم لأجابك بأن الأهالي يجمعونها في شكل جماعي من بعضهم البعض، ثم يقوم شيخ المسجد، سواء في المدينة أو القرية، بمهمة توزيعها على مُستحِقيِّها كُلٌّ حسب حاجته من دون أن يدري أحد سواه، وتلك عادة توارثها أهالي هذه البلاد، جيلاً بعد جيل، منذ نشر الإسلام ألويته خفاقةً في تلك الأنحاء القاصية من الأرض، وهي في جوهرها تتفق مع تعاليم الإسلام.