ربما لم تحمل، وما حملت مفردة، هذا الفيض من التأويلات المتبرعمة والمتقادمة، كما حملت مفردة «الآخر»، فهي تبدأ من تجاوز الطفل لمرحلة اندماج الذات مع الموضوع، وتنبثق متفرعة بما اكتسبت من تعاليم وأسس ودلالات متغيرة ومستجدة.
ولم تتوقف العلاقة مع الآخر على المفاهيم والشعارات السائدة، كعامل الناس كما تحب أن يعاملوك... وتنتهي حريتك حين تبدأ حرية الآخرين ... بل تجاوزتها إلى مجموعة من المواثيق والقوانين الدولية، والأعراف الاجتماعية...
وغذتها عبر التاريخ الكثير من النظريات والمقولات، ومع ذلك ظل فهم تلك العلاقة وتطبيقها يخضعان للمعايير النسبية المتفاوتة، فعلى الصعيد الفردي العاطفي، حكمت تلك العلاقة مكنونات المحبة والاحترام وتشابكات كل منهما، فالمحبة بشفافيتها المنطقية تمنح لكل الأطراف تكافؤاً متوازناً إلى حد ما، بينما الاحترام، وخاصة غير القائم على وعي الطرفين، تحكمه في مجتمعاتنا غالباً دوافع الخوف أو المصالح الذاتية، مما يؤسس لعلاقة مَرَضيّة تقوم في العمل على المراتبية والقمع والتدليس...
وفي العلاقة الزوجية على الكذب ... وفي العائلة على الخوف من الآباء.. وفي المدرسة.. وفي ... وقد تقوم هذه العلاقة على حالة من الاستلاب لا يفك طلاسمها إلا طبيب نفسي.. أو آخر ... وربما يستنتج الآخر فجأة أو خلسة أو بعد مضادات حيوية متتالية، أن ثمة آخر منه وفيه.. فيصير للآخر الآخر ظل ثان وثالث .. وتضيع وتتداخل الظلال، فخيال المرء يسبقه في التصورات والتأملات، وفي الصباحات الباكرة والمساءات، ويتبعه في تقنية الإضاءة وفذلكة التشكيل ...
لكن الأحداث والتطورات أثبتت أن ما يحكم هذه العلاقة فعلا، هي ثقافة الفرد التي يرضعها مع حليب أمه، ويكتسبها من تربيته في البيت، وتجلى ذلك بوضوح مع سقوط الايديولوجيات وتراجع الأحزاب، وبروز مؤسسات المجتمع المدني التي تقوم أساساً على اصطفافات، تحكمها المفاهيم الإنسانية العامة، وميول الفرد وطبيعته، وحتى مزاجه .. لكن ثمة آخر مباغت لحقيقة الكون، لتلقائية الطبيعة، يبدأ من الفكرة ويصير أكبر من البيت وطقوس الرضاعة وتداعياتها، ومن الحارة والصباحات والمساءات وشمس الحرية.. يصير أكبر من الحيطة والحذر.. يصير آخر جديد..
ولكن، أليس ما يتشكل تاريخياً يزول تاريخياً ؟
أن المتغيرات في مفاهيم علاقة الفرد بالآخر، خضعت لمجموعة من التراكمات الهادئة عامة، لكن ثمة متغيرات اقتصادية متسارعة، تشطر المجتمعات على نصفين، عبيد وأسياد، وهناك عجلة استهلاكية تدور، وتحوّل كل ما حولها إلى أرقام تدور في فلكها، تهدد تلك العلاقة.
وتجسد ثقافات جديدة يقوم أساسها على الجشع والربح والخسارة، فتتمظهر علاقات مغايرة مع الآخر، وُتستبطن علاقات أخرى، قد يصل بعضها إلى شكل جديد من الاسترقاق، لا يفرق بين آخر وآخر إلا بحجم الأرقام من الأملاك ... ومع هذا ثمة منظّرون لتداعي تلك العلاقة، يؤسسون لمفاهيم مستحدثة لهذا الخراب..
وثمة أحداث، كالحادي عشر من سبتمبر مثلا، فجرت تلك العلاقة، وإن لم تغيرها كلية، فإنها بلورت ثقافات جديدة، تلقائية اعتمدت على العواطف والمفاهيم الذاتية من جهة، وغذتها وبلورتها فرضيات ونظريات وأفكار.. من جهة ثانية، عملت على توجيهها ووضعها على مسارات أخرى.
وأسس تمنحها تراكمات مغايرة .. فصامويل هنتنجتون مثلا، يعبر بصراحة عن اعتقاده بأن العداء للآخر يلعب دورا أساسيا في تشكل هوية أي جماعة، ويرى أن الحروب التي خاضها الأوروبيون في العصور الوسطى وقبل بداية عصر الدولة القومية كانت ضرورية لتشكيل هوية الدول الأوربية المختلفة.
لكن في المقابل ثمة ثقافات تلغي تلك العلاقة من أساسها، تلغي الآخر كلية، وتلغي وجوده.. وهنا الطامة الكبرى ..