الجهود التي بذلها زكي مبارك لإعادة قراءة التراث النثري تشكل مرحلة نقدية في تاريخ الإبداع العربي انطلاقاً من المواهب والمؤهلات، التي كان يتمتع بها مبارك فأبدع في الشعر، والمقالة، والبحث، واتصل اتصالاً وثيقا بالثقافتين العربية والفرنسية، مما مكنه من مؤازرة جهود الرواد في إحياء قدرة اللغة وتراثها على الفكر والحوار والتأمل والبحث، تحقق كل ذلك من خلال إنعاشه، وسائل نقدية جديدة في تحليل النص الأدبي العربي.
في هذا الإطار عقد المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة احتفالية ثقافية تحت عنوان «زكي مبارك قراءة متجددة» حضرها عدد من المثقفين والكتاب الذين تأثروا بإبداع زكي مبارك، وصدر عن الندوة كتاب عن ملخصات أبحاث زكي مبارك تحت عنوان «زكي مبارك» قراءة متجددة يحوي شهادات من قاموا بالبحث في تراث زكي مبارك، منهم كريمة مبارك وفاروق شوشة ومحمد الجمل ومحمد نصر مهنا.
وأكد د. جابر عصفور أمين عام المجلس أن زكي مبارك آثر سواء في شعره أو نثره أسلوب الإطناب والإسهاب على الإيجاز مما يرجع إلى إحدى خصائصه النفسية والعقلية وهي رغبته في البوح والإفضاء بكل ما يعني له من رؤى وما يريد أن يبلغه قارئه من حقائق أو أخيلة.
وقال د. جابر: أن احتفاءنا اليوم به بالأديب النثري والشاعر زكي مبارك هو تأكيد على أنه بيننا ومازلنا متأثرين بإبداعيته، لأنه كان حريصا دائماً، على أن يضمن الموضوع الذي يعالجه جميع تفصيلاته مما يسميه البلاغيون القدامى الاستقصاء بمعنى ألا يدع الشاعر أو الكاتب شيئاً يتعلق بموضوعه إلا جاء به فلا يترك شاردة أو واردة وهو يشبه بن الروحي إذ انفرد بخاصية الاستقصاء، حتى قال القدماء إنه لايدع شيئا يضيفه غيره من الشعراء.
ومن جانبه أكد د. صلاح فضل مقرر لجنة الدراسات الأدبية بالمجلس أن زكي مبارك رائد من رواد فن المقال في الثقافة العربية الحديثة بما بذله من جهود وافرة استنفدت كثيرا من نشاطاته الفكرية، كان من ألمع كتاب صحيفة «البلاغ» وصاحب مقال أسبوعي في مجلة «الرسالة» تحت عنوان «الحديث ذو شجون» كما كتب في كثير غيرهما من الصحف والمجلات منها على سبيل المثال «مجلة الصباح» التي نشر فيها مجموعة من الرسائل العاطفية.
وقال: إن مقالات مبارك قد شملت شتى الموضوعات السياسية والاجتماعية والتعليمية والتربوية والفلسفية واللغوية والنقدية، وحفلت بأفكار تثير التأمل والجدل وتجارب عرضت له، وصور فيه لما دار في المجالس والمنتديات التي شارك فيها ونماذج وصفية على مستوى عال من نقد المشاهير من معاصريه وفي نقد غيرهم من عامة الناس.
وعن كلمة الأسرة تحدثت الشاعرة كريمة زكي مبارك ابنة زكي مبارك عن أيامي مع زكي مبارك وقالت:
أظن أن الأدباء والكتاب والشعراء والنقاد أولى مني بالكتابة عن زكي مبارك أديب الأمة العربية، لأنهم يستطيعون أن يكتبوا عنه ككاتب وأديب ومفكر وناقد وشاعر وصحافي، وحتى لا يقال إن ابنته تحابيه، وقالت:
فقد رحل زكي مبارك في الثالث والعشرين من يناير سنة 1952، تاركا لنا تراثا لا يمكن أن يموت وترك لأسرته قيما نبيلة للشرف والرجولة والشجاعة، وتمر الأيام وأنا لا أفعل شيئا لزكي مبارك اللهم: لا بعض المقالات أنشرها في ذكراه وبعض الندوات الثقافية في ذكرى مولده أو رحيله، وكنت دائما أدعو الأديب والناقد جابر النقاش للحديث عن زكي مبارك في إحدى الندوات ولكنه يقول لي: كم عدد الذين سيحضرون الندوة؟ ثم قال النقاش:
أنا مسؤول وحتى شهرين قادمين عن إصدار كتاب الهلال فلو جمعت لي كتابا لزكي مبارك في حجم كتاب الهلال فسوف أنشره وأضافت كريمة زكي مبارك: أنه استطاع الأديب الناقد جابر النقاش أن يقنعني بالكتابة عن زكي مبارك وعدم انتظار الأصدقاء أو التلاميذ للكتابة عنه، فقدمت له كتاب «مجنون سعاد» لزكي مبارك وصدر في كتاب الهلال في العدد 385.
وقالت: بدأت أجمع لزكي مبارك العديد من الكتب من على صفحات الجرائد والمجلات وأعدها وأقدمها للقارئ العربي حتى وصلت إلى خمسة وعشرين كتابا رأت النور الأول مرة بعد رحيل زكي مبارك، كما أعدت طبع عشرين كتابا من مؤلفات زكي مبارك والتي نشرها في حياته.
وأكد د. أحمد درويش بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، أن هناك جهودا كثيرة بذلها زكي مبارك أديب الأمة العربية لإعادة قراءة التراث النثري وتلك الجهود تشكل مرحلة نقدية مهمة في تاريخ تحليل الإبداع العربي.
وخلال فعاليات الاحتفالية حضر حشد كبير من المثقفين والنقاد في الجلسة التي حضرها الشاعر فاروق شوشة حينما تحدث عن زكي مبارك شاعراً، وتركزت كلمته حول طغيان شهرة زكي مبارك الكاتب والناقد والمحقق وصاحب المعارك الأدبية على شهرته ومكانته الشعرية، وهو الأمر الذي حدث بالنسبة للعقاد.
وتساءل فاروق شوشة قائلا: هل هناك صعوبة في تصنيف زكي مبارك بين شعراء عصره، ووضعه في إطار تيار شعري معين ينتمي إليه؟ ذلك أن شعره يتجلى أحيانا في صورة ما يسمى بالكلاسيكية الجديدة أمثال (إسماعيل صبري وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم وأحيانا مطران) وقد يقترب من النهج الرومانسي عند شعراء جماعة أبوللو خاصة عند إبراهيم ناجي وأحمد زكي أبو شادي وأحمد رامي وغيرهم وفي الأحيان الأخرى يكون أقرب إلى نهج جماعة الديوان مثل العقاد وشكري والمازني وهي ظاهرة تتطلب البحث.
وأكد شوشة: أن قصائده تعكس في معظمها نزعة الاستطرادية في كتاباته النثرية التي جعلته في كثير من كتاباته لا يركز على موضوع أساسي بل تتشعب به الأمور والقضايا والاجتماعات ويصبح كالموج الهادر الذي يجرف كل ما في طريقه.
وقال: إن هذه النزعة الاستطرادية في شعره لها فيما أظن أسبابها المتعددة بعضها يتصل بميله الاستعراضي للإعلان عن مواهبه وقدراته وملكاته وبعضها بسبب حسه النقدي الساخر، المستهزئ بالآخرين، والذي جلب عليه عداوات وخصومات شتى وكثير منها لرغبة في احتواء العديد مما يتصل بمجال قوله الشعري في قبضة قصيدة واحدة لا تستطيع بالضرورة أن تتسع لكل شيء.
وأوضح فاروق شوشة: أن لغة زكي مبارك الشعرية وتأرجحها الدائم بين نزعة بيانية واضحة ولغة جيدة الفصاحة وهذا شأن الكلاسيكيين الجدد، وقال:
إنها لغة الحياة اليومية التي تقترب منها كثيرا إلى لغة الصحافة التي اعتاد أن يكتب بها وأن يمارسها مما جعل البعض يشعر بأن هناك من شعره ما يكاد يكون امتدادا لكتاباته النثرية ومعاركه الأدبية، وهكذا اتسع شعره لمعجم غير معهود بين شعراء جيله، قد يكون بعضه صادقاً بجدته وشجاعته وحدته للسائد والمألوف في زمانه، وهذه المستويات اللغوية المتعددة في إبداعه الشعري قد تكون أحد الأسباب التي صحبت الرؤية المنصفة لشعره ولم تساعد على وضوح النظرة إلى هذا الشعر.
وتخللت هذه الجلسة أمسية شعرية ألقت فيها الشاعرة أميمه منير جادو قصيدة للدكتور زكي مبارك معبرة فيها عن حبها وتأثرها بزكي مبارك الشاعر، وقالت: عرفتك بين سطور الكتب وبين القوافي وبين الأدب محبا لمصر.
ونيلها وهكذا تحدث الناقد عبداللطيف عبدالحليم، أن العلامة زكي مبارك قدم رسالة إلى الجامعة المصرية عن «أثر التصوف في الأدب والأخلاق»، كما كتب في فصله الأول من كتاب المدائح النبوية في الأدب العربي بعنوان «نشأة المدائح النبوية».
وقال: إن من أعظم الشعراء الذين استطاعوا أن يكتبوا عن مدح هذه النبي «صلى الله عليه وسلم»، وهذا نتاج تأثره بوالده عبدالسلام مبارك الذي كان متصلا بإحدى الطرق الصوفية، وأضاف:
أنه علم من أعلام النهضة الفكرية الحديثة في مصر وإن كان آثره يتجاوزها إلى كل من تأثر بكتاباته العربية في العالم العربي وكتاباته باللغة الفرنسية في فرنسا، بل ربما تجاوز أثره ذلك لكنه لم يكافأ بما يستحق في حياته، هذا بجانب اهتمامه الشديد بمصادر التشريع الإسلامي، فنشر رسالة في تحقيق نسبة كتاب «الأم» للإمام الشافعي مبتغيا بها وصل الناس بهذه المصادر وقال:
أن الظاهرة التصوفية في أعماله تجلت أيضا في كتاباته «الأخلاق عند الغزالي، والتصوف الإسلامي» وهما كتابان يبينان اهتمامه بالدراسات الفلسفية وحرصه الشديد على الكشف عن العبقرية العربية وحيوية الدين الإسلامي، مما جعله يعتز بالعروبة والإسلام كما تأثر به كثيرا من المستشرقين في فرنسا.
وعن النثر الفني في القرن الرابع الهجري تحدث د. مدحت الجيار أستاذ اللغة العربية بجامعة الزقازيق، مشيراً إلى أن هذا النوع من النثر يعد خطوة مهمة وتالية للدكتور زكي مبارك والذي تأثر به المستشرقون والعرب.
وقال د. مدحت: أن د. زكي مبارك حاول من خلال مقالات عن النثر الفني في هذه الفترة عن عدة أسئلة أحاطت تاريخ النثر العربي منها النثر العربي في الخطابة والنثر المقدس، والنثر في التأليف الذي أخذ سمة التأليف الفلسفي، ولقد نجح زكي مبارك في هذا أن يبحث في المنهج العلمي الحديث من حيث قضايا التراث النثري.
وقد أشار زكي مبارك إلى أن خطورة فن النثر العربي في القرن الرابع الهجري ورصد نموه وتفرعه الذي حمل كل الثقافات المترجمة عن الأمم والحضارات غير العربية وهضمها وضمها إلى الحضارات العربية الإسلامية وأعاد لها روحا جديدة، والنظر إلى قضاياها، فاتفق في ذلك مع المناهج الجديدة التي دخلت إلى العربية بالترجمة خلال القرنين الثالث والرابع.
وأشار د. مدحت: إلى أن كتاب النثر الفني في القرن الرابع الهجري للدكتور زكي مبارك يعد واحدا ضمن سلسلة هزت الوجدان والفكر المصري والعربي لأن هذا الكتاب استطاع د. زكي مبارك من خلاله ان يعطي خطوة مهمة بعد جهود الاستشراق في الأدب العربي،.
ودخل مناطق كانت محظورة في فكرنا وعقيدتنا لكنه انتصر في هذه المعركة ولفت الأنظار إلى خطورة نثرنا العربي النقدي والبلاغي والفلسفي والتصوفي والديني والشعبي في أشكال أدبية لم يتعود عليها القارئ العربي من قبل، وهي المؤلفات التي استمد منها القرن الخامس وما بعده خلاصات الفكر والإبداع والبلاغة وأسست ثقافتنا العربية.
القاهرة ـ داليا فاروق
(وكالة الصحافة العربية)