من إيقاع الصبا يبدأ من حيث ما بدأت به السمراء بابل وضجة الأعشاش المضيئة بوقدة كلكامش تختصر سرة الكون وتحتفي بالضحى الفرات العناد من لوعة الطين وهو يقترح النرجس رداء لذكرى رعاة القصيدة ..للأسى المسكون في رحم الفرات للصغار معلقين نجومهم على فاتحة البساتين اليتيمة..

وللنشء يبرقعن الصباح السومري بابتسامة ملؤها البارود والحزن العظيم..للذين هناك ولا هناك ،يطلق الحاكم علي جعفر العلاق صرخته الطينية في(ممالك ضائعة) الى اين يقتادنا الهدهد..؟

هذا السؤال المؤكسد بجمرة الحزن الخالدة في ارض الرافدين اطلقه الشاعر ليحملنا الى ما تهدهده الابدية على عشبة القلب المسكون بالفجيعة مفتتحا لذلك الليل الحالك في الضياع والطعن واناشيد سواد البرية المعبأ باحتراق الحلم.

لكنه لا يحترق.. فثمة وطن يحمله الهدهد على جسده النحيل ليخفق جناحه مره أخرى تلك الشعوب الباكية على شمس ترتدي حرير الوطن..

ففي زحمة لا شيء كل شيء يضيع الا ذلك الرعد البشري الذي يغفو في عيون الحالمين ليحمله في صباح مؤجل طائره المثابر الى حيث ارض البشارة محلقا بوصايا الشاعر وندائه المعجون بالصبر والأشجار والمحبة.

ليتسع الحلم شاطبا فسحة الليل الذي لا يغني ليرتدي تلكم الأشجار السوداء التي ستضيء حتما حين تصل صرخة الشاعر الفاضلة الى نهاراته البعيدة..

ملحه الفاضل دمعته الفاضلة وسؤاله الإنساني الكبير ولا شك ان ثيمة الفقد هنا ومدى تفاعلها الدلالي على صعيد الخطاب المتون بالدمع لتؤكد لنا اجتراحا انسانيا ينحته الشاعر في ذاكرة النص من خلال طواعية لغته المعطاءة وما يصاحبها من حرارة الانفعال وجدارة البوح وصدق العاطفة ليمنحنا العلاق من تضاريس نصوصه الحزينة ذلك البرق الانساني المحمول على فؤاد القصيدة وليقدم لنا حبر العافية في أزمنة تكاد تخلو من معناها الانساني النبيل في البحث عن الذين يشحذون الامل لملاقاة عصر البراءة..

انه نداء الخصوبة..بل طمأنينة المحارب الذي نسي قلبه هناك فوق جناح الهدهد.

«هدهد ضائع في اشتعال الغبار طعنة في قميص النهار..اين بلقيس اشجارنا الان سوداء هذي الاناشيد سوداء هذا المدى اسود فالى اين يقتادنا الهدهد..؟».

فالوطن يشغل مسافة كبيرة في قصائد العلاق فيزداد الشاعر نخلا وماء وطيورا..لكنه ريثما يصل الى هناك حيث ينابيع البوح سرعان ما يطل عطشه الكبير فوق سفح اللقيا الم روحه ،تمرده ،حلمه ،ثم صراخه الابدي صوت فتنة الخلاص..

لترتفع به ومنه سلالات الطين الأول على بكائيات الفرح المؤجل في حنجرته المزدحمه بالشهداء مما ينتج عنه التحام بذات القصيدة التي تشتهيه في وليمة الابداع ويؤدي هذا التلاحم الأسطوري الى ملامسة العصب الصادق لرموز نصوصه ومعطياته على الصعيدين الفكري والإنساني منصهرا بين هتافين جليلين هتاف واقعه المجرح بإنسانه المعذب من قلق التمني وهتاف الكون الذي يعلو فوق هاجس التعبير الشعري ومدى تفاعله الصميمي في محراب القصيدة انه مملوء بالفرات وبالحلم و بالحقيقة من خلال ذلك النسيج الشعري الذي يغذيه وبلا شك وعي جمالي وايديولوجي كان لهما الاثر في بلورة روح الشاعر الى حيث شراعه الممتد فوق قطوف الحزن واسراره الكبيرة.

فالطريق على القصيدة الحديثة وكما يقول الشاعر سركون بولص هو نفسه الطريق الى لا وعينا الكثيف الخافي.قصيدة نفرؤها فننفعل.. وهذا الانفعال يكون اصفى وانقى حين نكون في حالة التلقي والانفتاح عند قراءة اثر شعري .. ما ففي الانفتاح يتم الكشف وعي ينفتح كبرعم يتلقى الصحو والندى.. هكذا هو العقل والذاكرة في اقصى ابعادها تحوي جميع القصائد انما تظل مغلقة عن العقل الواعي بمنغلق تكسره القصيدة حين تفتح طريقها بقوه الى الاغوار..

ان الصوره تكثف الكلمات والكلمات ترفع الصورة الى العقل المفتوح هذا هو عمل القصيدة..ولا شك ان صوت علي جعفر العلاق لمزدحم بدعم الشعر وكثافة الحب وبحميمية الخيال الذي يقوده الى من يرقد في بريد القلب على شكل وطن.

رائحة اصدقاء البعد حناء الذاكره ولوعة النخيل وذاك الطفل الذي نسي ابتسامته فوق اثداء الغيم يوما ومضى الى حيث طيور البحر وقيثار العبور..وحيث يقول قصيدته (غيم البدايات)مخاطبا الشاعر مظفر النواب..

«ربما من قبل عشرين خرابا ربما عشرين قرنا ربما قبل سنة ربما من قبل ان توقد نار الكهنة حمل الغيم طيور البحر لبحر وفاضت وردة القيثار بالدمع بلادا من حرير الله.».

ولعلنا اليوم في حاجة ملحة الى شعر قادر على ان يتحسس حنين الانسان الى ما هو صلب ومتماسك، وذلك في زمن يخور ويتهافت او يتفكك ويتفتت باستمرار حتى لأوشك ان يستحيل الى هلال.. ان زمننا الراهن لا يفتقر الى شيء بقدر ما يفتقر الى الرسوخ او القواعد الراسية التي هي القعر الصخري الصالح لاستقرار الحياة الأصيلة ولا مبالغة في القول بان الانسان اليوم ظاميء لأفراح قادرة على انعاش روحه التي يكاد ان يفتك بها الخور فلكم نحتاج الى استبصارات نيرة تملك ان تؤشر الى منابع الغبطة او ان تستجيب لحنين النفس الى السعادة المفقودة.

ولئن لم ينهض الشعر بهذه المهمة فما من شيء اخر سوف يملك ان يفعل ذلك وما ذاك الا لان الشعر هو الكلمة وبالكلمة نكون ومن دونها لا نكون هذا ما قاله الناقد يوسف سامي اليوسف في كتابه القيمة والمعيار في تناوله لوظيفة الشعر.

ولاشك ان فخامة الجملة الشعرية لدى العلاق لتستظل بالوجع القديم الذي يبوح به بحس شعري وراق ويحيله الى انين من الحبر وحقل أحلام من حروف منتشيا تارة بمطر الغابات الكبرى وهي تطارد انثى الغيم رغم مكيدة الفصول وتارة بسوسنة الذكرى حين تغفو :على حائط القلب ومدن الماء ومخيلة الطين.... انه نداء الجمال حين يحلق صوب أعالي القصيدة....

حين نادانا نشيد الماء والذكرى التقينا كيف ضاعت في براري الروح أنثاه؟ أكانت غيمة تحمل في ايقاعها الطيني ماء الليل ،ام عشرين قرنا من انين المدن الغرقى وأشلاء المغنين؟ التقينا ،كان طفل الغيم مهموما يصلي للبدايات ورمل الأزمنة اترى كان ينادي مطر الغابات من عشرين قرنا ام ينادي وطنه؟

فالقصيدة لدى الشاعر علي جعفر العلاق قوة من الضوء تنير الأشياء جميعا وتبني على عوالمها السرمدية افقا ممزوجا بالغبطة والفجيعة معا....

التراب وصهيل الأجنحة.. الأنهار وما يصاحبها من لوعة النشيد وهدير الأمنيات.

انه شاعر بين فراتين.. شاعر بين نخلتين.. عبر ذلك الكشف الواعي والدؤوب لصناعة الحلم الذي سيستمر حتما لذلك الهدهد النيزكي وهو ينقب عن الفرح المرصود في غمام المدن الفاضلة.

وهناك.. سنصطاد القرنفل في ممالك لا تضيع.

كتب: قاسم سعودي