دارت العجلة الثقافية من جديد بعد عطلة الصيف، وهي عجلة سوف تزداد سرعتها مع الأيام بما تعد به من الإشراق والأمل بموسم ثقافي إماراتي مميز يراد له ان يكون على مستوى التطلع والرقي الذي نلمسه في جوانب حياتنا كافة.
رغم جراح ومصائب الحرب في أكثر من بلد عربي ومشاهد القتل اليومية التي تبث الغصة في الحلوق إلا أن جرعة الثقافة يجب ان تكبر وان يمتد شعاعها ليكنس كل هذا الدمار ولا سبيل لتحقيق هذه الأمنيات الإنسانية الخالصة الا بتثوير قيم الجمال وجعلها أساساً في جميع ما نقوم به من أفعال ونيات.
عندما تدوي أبواق وطبول الحرب وتسري في النفوس رغبات الانتقام والقتل والثأر، فان الثقافة باعتبارها مهد النبل الإنساني لا بد ان تتدخل للتذكير بالمعاني العالية، وبأفكار التسامح الصافية التي راكمتها خبرة الإنسان..
وهذه الخبرة هي السبيل الوحيد لايجاد المصالحات بين النفوس التي تعميها الأحقاد فتنسى لغة القلب والعقل وتذهب للتحاور بالبندقية وللتراسل بحبر الدم بما يسفر في النهاية عن المزيد من العذاب والكراهية واستمرار الفتن بلا طائل او نتيجة.
الإمارات التي أصبحت مثلا للتسامح، تحمل في جعبتها هذا العام أجندة ثقافية (عالمية) فيها الكثير من الرسائل الإنسانية التي نقرأها في الخطاب المعتدل والمتوازن لعدد من الأحداث الكبيرة التي سيتم تنظيمها هذا العام.
ومن بينها مهرجانات سينمائية وموسيقية ومؤتمرات سيحضرها مفكرون وفنانون من كل العالم..وهذه الصورة المشرقة لبلد عربي في الخليج تحتاج إلى ان تكبر وان تحتذى كي يتسنى لنا نشر الثقافة الحقيقية عنا كشعوب محبة للخير والسلام والحرية.
في صميم هذه الخطاب أيضاً، لا نريد للثقافة ان (تتناقض) داخليا بحيث نحتضن الإبداعات العالمية ونكرمها في غفلة عن المبدع المحلي.. وإذا كان الشباب الجدد من هواة السينما في الإمارات قد وجدوا منبرا لهم في مهرجان دبي السينمائي الدولي على سبيل المثال، فان الكتاب والشعراء والقصاصين مهملون حتى من الحضور في الصحف والمجلات الأدبية وهذا ربما يقودنا إلى فقر حقيقي مستقبلا في الأنشطة الكتابية وفي الحضور الأدبي على المستوى المحلي والعربي والعالمي أيضاً.
الاتكاء على المعاني الإنسانية العالية وترسيخها في خطاباتنا الإعلامية والتربوية وجعلها المرجعية الأولى في السلوك، ثم محاولة نشر هذه القيم وإيصالها إلى جميع من نخاطبهم هو الطريق الذي يحدد فهمنا العميق للثقافة ليس باعتبارها نشاطا احتفاليا او مشروعا استثماريا لجني الأموال، بل بما هي سلوك إنساني صرف وإيمان راسخ بمكتسبات المعرفة البشرية.
وبالتوق القديم لجعل الأرض مكانا قابلا للعيش بسلام ومودة بعيدا عن احقاد الماضي ورغبات الثأر المتأججة في النفوس وفي الكتب المريضة التي تحرض على الدمار والقتل. وهي كتب لا تزال تستهلك ويتم الترويج لها في الكثير من المنابر العربية، مقابل طمر الأصوات الجديدة التي تتجرأ على الانفتاح وعلى زعزعة الثابت والقديم.