يعكف د.فاضل سوداني على الانتهاء من كتابه الجديد عن (البعد الرابع للفضاء في العرض المسرحي)، مؤكداً أن غياب هذا البعد، وطغيان اللغة الأدبية الفضفاضة على حساب اللغة المسرحية البصرية، من أهم أسباب عدم وصول غالبية الأعمال المسرحية العربية إلى الجمهور، وفي هذا الحوار الخاص لـ «البيان » يؤكد المسرحي العراقي المغترب أن المسرح الشعبي الإماراتي مؤهل للقيام بدور ريادي في إعادة استقطاب الجمهور مرة أخرى، مع مراعاة استخدام التاريخ والتراث لطرح أسئلة معاصرة. وفيما يلي تفاصيل الحوار.

ـ أنجزت بالتعاون مع جامعة «كوبنهاغن» ونقابة المؤلفين المسرحيين الدانماركيين، نص مسرحية «النزهات الخيالية»، وقبلها نص مسرحية «الرحلة الضوئية» فكيف تصف تجربة الكتابة باللغتين العربية والدانماركية؟

ـ تناولت مسرحية «النزهات الخيالية» التي قدمتها باللغة الدانماركية عن الفيلسوف (سورن كيركجارد) قضية حساسة جداً وهي علاقة المثقف بالسلطة حتى لو كانت هذه السلطة دينية، فقد كان هذا الفيلسوف يرفض فكرة أن يكون هناك وسيط بين الإنسان والله، كما يرفض أن تكون الكنيسة هي هذا الوسيط، داعياً إلى التوجه إلى الله مباشرة.

أما بالنسبة لمسرحية «الرحلة الضوئية» التي قدمتها باللغة العربية في عام 1997م، في عدة أماكن في العالم العربي الدانمارك، فهي تعرض ببساطة مشكلة الفنان والمثقف مع عصره ومجتمعه، مقدماً نموذج الرسام «فان كوخ» الذي عانى من هذه المشكلة، كما يعاني المثقفون اليوم من ذات المشكلة وهي الإلغاء وعدم تحمل الآخر.

وقد تعمدت ألا أتطرق إلى حياة هذا الرسام وعلاقته بصديقته وحادثة قطع أذنه، محاولاً الوصول إلى نتيجة أن ما فعله لم يكن جنوناً وإنما نوع من الوجد الذي يمكن أن يصل إلى الإبداع لا الجنون، أن يكون ظاهرة عامة.. فالحرب جنون والعالم الذي يقود الحرب هو عالم مجنون،.

وربما لا يعرف الكثيرون أن (فان كوخ) كان قساً في فترة من حياته، لذلك أراد ان يتكلم عنه أن يكتشف الوسيلة التي تنير روحه وأراوح الآخرين، وأعتقد أنه فشل في تحويل اللون الأصفر إلى نور يضيء روحه وأرواح الآخرين، لذلك انتحر بعد أن قام برحلة ضوئية دفع ثمنها حياته.

ـ من خلال تجربتك في الكتابة المسرحية، بماذا تختلف النصوص المسرحية العربية عن مثيلاتها الأوروبية؟

ـ كل النصوص المسرحية العربية هي نصوص أدبية تكتب بالوسائل الأدبية، لذلك تتحمل الكثير من الثرثرة ولا أقصد هنا ثرثرة الكلمة وإنما ثرثرة المشاعر نتيجة لاستسهال العمل في المسرح ودخول «البزنس» إليه، لذلك أدعو لما يسمى بالنص البصري الذي يختلف تماماً عن النص الأدبي، ويناسب المسرح في الوقت الحاضر.

ـ وكيف يمكن الوصول إلى نص بصري ملائم عربياً؟

ـ أن يكف المؤلف العربي عن كتابة نص أدبي يعتمد على الوسائل الأدبية، ويتعود على كتابة النص المسرحي من جديد يصل فيه إلى حد المعرفة بدقة لوسائل الفضاء المسرحي والخشبة، بمعنى معرفة حجم الإيقاع المسرحي لهذا الحوار أو ذاك الحدث.

وبما أن المؤلف الأدبي لا يعرف هذا الأمر إطلاقاً ويعتبره جزءاً من إمكانيات المخرج، فتنشأ الثرثرة في الحوارات والأحداث، مما يضطر المخرج فيما بعد إلى الحذف، مع أنه يجب منذ البداية على المؤلف أن يعرف كيف يكتب نصاً بصرياً يختصر المسافة، لأن النص البصري هو طرح سؤال جديد ورؤية جديدة.

وعندما يصل هذا النوع من النصوص إلى يد مخرج يستفزه لطرح سؤال آخر وليس جواباً لأسئلة سابقة، لهذا السبب أعود وأكرر أن كل النصوص المسرحية العربية أدبية تقدم أجوبة لا أسئلة والمسرح هو سؤال.

ـ على هذا الأساس هل لفت انتباهك حتى الآن نص مسرحي عربي يمتلك الرؤية البصرية التي أشرت إليها؟

ـ بعض نصوص المسرح التونسي تقترب إلى درجة كبيرة.. وهناك بعض الرؤى الإخراجية العربية القريبة من النص البصري، وأنا الآن أعكف على إنجاز كتاب جديد حول (البعد الرابع للفضاء في العرض المسرحي) وأقصد «الزمكان».

وذلك الزمن اللامرئي بين الفنان وعمله، وبين الجمهور والعمل الفني، هو الجزء الذي يتمركز فيه الإبداع، ويساعدنا على تحمل الواقع، من خلال تلك النظرة والقيمة الجمالية التي تفضي إلى البعد الإبداعي، فعندما تتحمل هذا الواقع مهما كان وتدخله في العملية الإبداعية، فمن السذاجة أن تدخله كما هو كحال الكثير من المسرحيات العربية، لأن الزمن الواقعي يفقد مميزاته ويتحول إلى زمن إبداعي.

* وما رأيك بالعروض التي قدمت في أيام الشارقة المسرحية على مدى السنوات الماضية؟

ـ هناك تطور جيد في مجال الأداء والتمثيل وحتى الرؤية الإخراجية وهذا نتيجة للجهود الصادقة والحريصة على أن تكون هناك حركة مسرحية في الإمارات وبالذات من لدن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة ، باعتباره حاكماً ومثقفاً، وهذه مسألة مهمة لأنه قلما نجد حاكماً مثقفاً.

ولا أبالغ إذا قلت ان ما طرحه «أفلاطون» في جمهوريته بدأ يتحقق هنا في الشارقة لدى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة ، لكن المشكلة الأساسية هي في وضع أساس سليم للمسرح في المستقبل، وهي تأسيس جمهور مسرحي ووضع سياسة ثقافية فنية مسرحية متكاملة لها علاقة بتطوير هذا الجمهور، لكن هذا لا يمنع الكوادر الموجودة من التطور يوماً بعد يوم، وهذا سيوجد جمهوراً وحركة مسرحية بالتأكيد.

هذا إلى جانب تبادل الخبرات والاعتماد على الخبرات العربية لنقلها والاستفادة منها، أنا هنا لا أتحدث عن «تخليج» المسرح، وإنما عن المسرحية الشعبية الإماراتية التي تؤثر تأثيراً إيجابياً في إيجاد الجمهور، وهذا لا يمنع من وجود جهود وعروض أخرى لها علاقة بالتجريب وغيره من المدارس المسرحية الأخرى.

ومن خلال متابعتي لبعض العروض المحلية التي تناولت التاريخ الإماراتي لدى ملاحظة، وهي أنه لا يمكن إعادة هذا التراث وهذا التاريخ على سبيل السرد المحض أو الاستعراض، إنما يجب استخدام التاريخ والتراث من أجل طرح سؤال معاصر يفيدنا الآن، هذا هو المهم بالدرجة الأولى.

أنس الأموي