شهدت الفترة بين عامي 1539 و1075 قبل الميلاد بناء صروح حضارية لا تزال حتى الآن تشهد على عظمة تلك الحضارة الفرعونية. ومن بين تلك الصروح يتفرد معبد الكرنك والأقصر بمكانة مميزة، ما برحت حتى الآن سبباَ في تدفق الزوار إلى الضفة الشرقية للنيل، وهو المكان الذي يحتضن هذين الصرحين العملاقين.
وعلى الضفة الغربية من النيل يقع صرح آخر شهير، وهو وادي الملوك الذي يضم بين جنباته نحو 60 مقبرة، أشهرها على الإطلاق مقبرة الملك المصري الصغير والأشهر في التاريخ الفرعوني توت عنخ امون. وهناك كذلك المئات من المقابر الخاصة التي يتمتع بعضها برسوم زيتية رائعة وزخارف مدهشة ترصع جنبات المنطقة.
وعلى الرغم من أن اللوحات الزيتية الموجودة في مثل تلك المقابر والآثار الخاصة لا تزال تعطي صوراً مشوقة للحياة المترفة التي كان يعيشها أمراء وأشراف القطر المصري بشكل عام في تلك الفترة، إلاّ أن المعابر والقبور التي لم تندثر بعد بفعل عوامل التعرية تمد التاريخ بمزيد من المعلومات عن الحياة الدينية والمعتقدات الخاصة بالحياة بعد الموت في العالم الآخر، وهي الشغل الشاغل الذي كان يسيطر على عقول وألباب المصريين القدامى.
ولا تزال طقوس الحياة اليومية للمصريين القدامى أقل توثيقاً من غيرها من الجوانب الأخرى من الحياة المصرية القديمة، وذلك لأن البيوت التي كان يسكنها هؤلاء لم تتحمل قوة الفيضانات التي كانت تعصف بالأرض المصرية، لاسيما الجنوبية منها. فقد كانت تلك البيوت مبنية من قطع القرميد النقيض من المعابد والقصور التي تبنى من الأحجار والمواد الصلبة. ومن هنا تأتي أهمية تلك اللوحات الزيتية من منطلق أنها تمنح القارئ والمهتم بتاريخ تلك الفترة معلومات لم تكن لتتوافر من دونها.
وعلى أقصى الطرف الغربي لطيبة، الأقصر حالياً، يفاجأ المرأة ببقايا مجتمع صغير لم تنل منه مياه الفيضان واستطاع تحدي الزمن وعوامل التعرية ليقف شاهداً على بعض أنماط الحياة من الحضارة الفرعونية. هذا المجتمع هو عبارة عن قرية صغيرة تعرف الآن باسم دير المدينة كانت موطناً للحرفيين الذين كانوا ينحتون ويزخرفون المقابر الملكية في وادي الملوك.
وعلى الرغم من وقوعها في منطقة قاحلة معزولة نسبياً، إلا أن القرية لم تزل محتفظة ببريقها وكنوزها الحضارية التي لم تنل من أيدي الزمن. فها هي المنازل والكنائس الصغيرة لا تزال على ارتفاعها الذي يصل إلى مترين أحياناً فوق سطح الأرض في بعض الأماكن. وأثناء النصف الأول من القرن الماضي عثر علماء الآثار على ثروة من الآثار الدينية والأدوات المنزلية.
وكذلك مقابر لم تفتح أو تمس بمن قبل محتفظة بكل ما فيها من أكفان وتوابيت وأثاث وأقمشة وعشرات الألوف من الوثائق معظمها يعود إلى الفترة من 1275 إلى 1075 قبل الميلاد. بعض تلك الوثائق مكتوب على ورق البردي ولكن معظمها مسجل على قطع من الفخار أو رقائق من الحجر الجيري ذات السطح الأملس، كانت تستخدم مع البردي في أغراض الكتابة.
وكان العثور على تلك الوثائق سبباً رئيسياً في معرفة العالم بطقوس الحياة اليومية لهؤلاء القرويين، تلك الطقوس التي كانت بعيدة عن الضوء بالمقارنة بالجوانب الأخرى من حياة المصريين القدماء. وبين تلك الوثائق واللوحات الزيتية يعثر المرء على سجلات حكومية وقصائد غرامية ورسائل خاصة تصف كفاح العائلات من أجل كسب الرزق والمخاوف الصحية والنزاعات القانونية.
وتقدم تلك الوثائق كذلك تحليلا مفصلاً للنظام التعليمي في مصر القديمة. ويتبين من قراءة تلك الوثائق ان معظم الرجال في تلك الفترة من تاريخ مصر الفرعونية كانوا يعرفون القراءة والكتابة لاسيما هؤلاء الذين يعيشون في المدن. ولا يعلم العلماء على سبيل اليقين ما إذا كان هناك عدد كبير من النساء على علم بالقراءة والكتابة في القرى والمدن. وعلى الرغم من أن هناك قصائد ورسائل نسوية عثر عليها بين تلك الوثائق، إلا أنه من المرجح أن النساء كن يملين أفكارهن إلى الرجال كي يدونوها.
وتوضح تلك الوثائق مدى التباين الهائل في مستوى التعليم بين تلك المنطقة من مصر القديمة وسائر أنحاء البلاد في عصر الدولة الحديثة، حيث كانت نسبة العالمين بالقراءة والكتابة في القطر المصري لا تتعدى واحداً أو اثنين بالمئة، في حين كانت تلك النسبة أعلى بكثير بين سكان تلك القرية.
ترجمة: حاتم حسين
عن «ساينتيفيك أميركان»