«هو الذي لم يستنكر عشقا أو حبا، ولم يعترض على سكران، ولم ينصح مدمنا، بل كان ينظر إلى هؤلاء جميعا بحسد» (ص16) والكلمات للأديب الراحل ممدوح عدوان جاءت في مقدمته لأعمال علي الجندي الكاملة، نسوقها لأنها مفتاح أساسي من مفاتيح الهوية الشخصية والشعرية لهذا الشاعر الذي دفع بالحرية الفردية إلى حدود القداسة، واعتبر دوائر الجسد والمتع الحسية تعبيرا حيا من تعبيراتها الأساسية، وشكلا من أشكال المقاومة، منسجما بذلك مع رأي بايرون : «المجون غطاء للقلب الكسير».
الحرية الشخصية التي مكّنت علي من الانعتاق من كل اللاءات والتابوهات الاجتماعية، رافقها حس عال بالانتماء إلى مصير هذه الأمة وموقف صارم ومبدئي من قضاياها الرئيسية لا يقبل المهادنة أو التنازلات، وهذا ما يؤكده ممدوح عدوان في نفس المصدر المذكور إذ يقول:
«وجعه السياسي كان وجعا يوميا وأمام الاتساخ الأخلاقي الذي كان يملأ الحياة من حوله، والذي كان ينجم عن تلوث بيئي سياسي راح يصرّ على نظافة خاصة غير مألوفة» وهذا الفهم الخاص لماهية الحرية في فضاء تغيب منه أبسط الحريات كان مصدرا لتفرد شخصية الشاعر ومولدا لأزماته الوجودية ومحورا أساسيا من محاور تجربته الشعرية التي سوف نقرأ في بعض ملامحها.
محطات من السيرة الذاتية
وُلد الشاعر علي الجندي في السلمية عام 1928 مع بدايات تفتح المشروع النهضوي العربي، وبدأت تجربته الشعرية بالظهور في الخمسينات مع السنوات الأولى لعهد الاستقلال والبناء، كتب في مجلة «شعر» وأصدر ديوانه الاول «الراية المنكسة» عام 1962 وثار على القصيدة العمودية، وبذلك انضم اسمه إلى قائمة الرواد المؤسسين لتجربة الحداثة الشعرية في سوريا.
بيئته الاجتماعية الأم أتاحت له الإطلاع على التراث الفكري والشعري للمنطقة، ودراسته للفلسفة فتحت أمامه آفاق التجربة الفلسفية والفكرية المعاصرة، فتأثر بالماركسية وبالفكر القومي الاشتراكي وبالفلسفة الوجودية، جذبه الشعر الفرنسي الحديث واغوته تجربة رامبو وبودلير، وكل هذا المخزون الثقافي والمعرفي انسكب جليا في قصائده وشكّل أحد مفاتيحها، وحين بدأت الهزائم تتالى على هذه الأمة وتخبو احلامها، بدا الشاعر ينكفيء ويستشعر هشاشة الكلمة وعجزها.
وهاهو يقول في آخر الخواطر التي خطها: «لم تعد الكلمات مؤهلة لفعل أي شيء، تتدفق على الذهن ملونة مختلفة الحجوم، حادة الحروف مسننة الحواف، بمخالب ومناقير، لكنها ما إن تحاول الإفصاح عن حالنا حتى تغدو كلها هشيما يكاد يتفسخ، وتلك ادواتنا وهذه مهنتنا، فبماذا سنتسلح لمواجهة المأساة؟».
وإذا تركنا جانبا خذلان الكلمة والخيبات التي خلفتها الأحلام والمشاريع النهضوية، ومررنا على تجربة الشاعر الحياتية سنجدها تتويجا لهذا الخذلان وتلك الخيبة، فهو يقول في آخر الحوارات التي أُجريت معه: «بعد كل هذه السنوات الممطوطة أجد نفسي عاريا من كل أوراقي الخضراء واليابسة، فلا زواج ولا أولاد ولا شباب، كل ما أملك الآن مجد خجول ينكمش علي وعلى نفسه قليلا قليلا، الأولاد هاجروا ورحلوا بعيدا، زوجتي الأولى يفصلني عنها جدار من اللا حب، والثانية يرتفع بيننا جدار من الصمت والجليد، والثالثة تتسع المسافة بيننا كل ثانية».
مرتكزات العذاب
وخلال هذه السيرة الذاتية التي استوت على شفير المتناقضات بين حديّ: الرفض والانتماء، الفعل والانكفاء، الزهد والشغف، خلال هذه السيرة كتب الشاعر اثنتي عشرة مجموعة شعرية، هي:
«الراية المنكسة»، «الحمى الترابية»، «في البدء كان الصمت»، «قصائد موقوتة»، «البحر الأسود المتوسط»، «طرفة في مدار السرطان»، «النزف تحت الجلد»، «الرباعيات»، «بعيدا في الصمت، قريبا في النسيان»، «صار رمادا»، »سنونوة للضياء الأخير»، «الشمس وأصابع الموتى» إضافة إلى مجموعة من الخواطر النثرية التي نٌشرت في الدوريات العربية، وإذا كانت العناوين هي مفاتيح العوالم السرية، فإن ما لدينا من عناوين يفتح الأبواب واسعة أمام ألوان من العذاب البشري الذي تتحول معه الحياة إلى ضرب من الأذى العميق.
يبدو الإحساس العميق بعبثية الحياة واللا جدوى في مواجهة هذا العبث هو المصدر الأساسي لأزمة وجودية حادة يعيشها الشاعر تتبدى له بوجوه متعددة في الخواء والألم والتعب، وتتفجر بتوترات مختلفة الحدّة في جسد القصيدة لتكسبها مناخاتها الحزينة ومذاقها الأليم وفي المقطع التالي مؤشر قوي لهذا العبث الذي يلف الوجود:
وما تعرف الخطوات الحزينة منذ الرحيل/ بأن الطريق طويل/نهايته خط الضلال إشكالية الوجود أيضا تنبع من شروط الواقع التي تبدو دائما في القصيدة ضاغطة ولا إنسانية ومبعث قلق ومخاوف وأحزان لا تنتهي تفرض وجودها على الشاعر وتجعله دائما في حالة فصام وتنافر مع الوسط الذي يعيش فيه: صرنا وحيدين، آه، على قاسيون/نطل على وجه البلد المستكين/نرى الليل والصمت والانحناء/... قال هذه المدينة مرآتنا وليس سوانا/هل ترى وجعك الآن فيها/قلت بلى:/إنه الحزن والهشاشة والخوف والكبرياء.
ويأتي أخيرا همّ الانتماء ليكلّل إشكالية الوجود ومعالم الأزمة، الانتماء لمشروع نهضوي تحرري تعثّرت خطاه، الانتماء لوطن يضيع في تمزقاته وخلافاته بينما تحاصره وتنهبه مخططات الأعداء.
وإذ تتقاطع هموم الخاص والعام في تجربة الشاعر لتكرّس إحساسه بالازمة والاحباط، تطل المراة عليه مشعل حنان ومرفأ أمان، من عبير جسدها تتدفق اللذات، تختفي الهموم والهواجس وتورق الاحلام، وبتوحده معها يقاوم وحشة العالم وينتصر على إحساسه بالغربة: عندما يحتلني حزن مفاجئ/ وأراني متعبا مثل حجر/أحتوي شكلك ما بين يدي.
فالمرأة لدى علي الجندي هي قلعة الدفاع الوحيدة، وهي صورة الرحمة والحضور الذي يمنح قصيدته الحياة وألوان الخصب، وعلاقته الضمنية بها هي علاقة الطفل بأمه وإن تعددت أشكال تجسدها.
رمزية اللغة
ولان القصيدة لدى علي هي وليدة الأزمات المستعصية والأحزان الدفينة والتضاد الحاد بين الواقع المشتهى والواقع المعاش بكل ما يعنيه ذلك من خذلان وانكسار وغربة، تأتي صوره الشعرية مشحونة بالتوتر والانفعال، مزدحمة بالكلمات، غزيرة الأوصاف والكنايات، كثيرة الرموز والإشارات، ممعنة في المجاز، تعتمد في بنائها العام على السرد والتداعي والاسترسال وتحمل معها مناخاتها الصحراوية .
حيث تكثر في معجم الشاعر مفردات العقارب والأفاعي والعطش والغبار النار والغجر وما شابه، بحيث تنفتح الصور على مشهدية غرائبية يتسع فيها الزمان والمكان، ويقف وسطها الفرد وحيدا في مواجهة الجموع، لا يملك سوى رفضه واحتجاجه المجنون.
وحين يتعاظم إحساس الشاعر بالغربة والرفض ويتعبه عبء اللحظة الراهنة، يوغل في اعماق الماضي ويستحضر صورة طرفة بن العبد، وحين يكبر إحساسه بهشاشة الكلمة يستحضر صورة قطري بن الفجاءة، وهو شاعر من الخوارج، ومن خلال هذين الشاعرين ينسج عوالمه الأسطورية.
آخر الكلمات
منذ التسعينات انسحب علي الجندي من الساحة الشعرية ومن الوسط الثقافي بعد عمر من الصخب والتمرد على تاريخ القمع والقوالب الجاهزة قضاه في دمشق، انتقل إلى اللاذقية، ولاذ بالعزلة والصمت دون ان ينجز مشروعه كاملا، ودون ان يقول كلمته النهائية مخلّفا وراءه سيلا من التساؤلات:
هل هو فعل الزمن الذي أنهك جسده المريض، ام هي عاصفة الصحراء التي ابتلعت آخر أحلامه، ام هو الاحتجاج على القتل والسجون والتعذيب الذي يصوغ عالمنا الجديد؟!... وإذ تسأله، يتنهد طويلا ويجيب باقتضاب مبهم، لكأنه يردد ما كتبه ذات يوم: ما فائدة الكلام، كل قصائدنا لا تحيي ميتا، ولا تميت كائنا ممتلئا بحياة آثمة.
دمشق ـ تهامة الجندي: