عثر مزارعون في عام 1862 في هوايبان بولاية فيراكوز المكسيكية على جسم غريب مدفون تحت الأرض ظنوا أنه وعاء معدني مقلوب رأساً على عقب وتابعوا الحفر اعتقاداً منهم بأنه ربما يحتوي على كنز من الذهب ليكتشفوا في النهاية أنهم وقعوا على رأس تمثال حجري عملاق، كان ذلك أول تمثال حجري من حضارة الاولميك يكتشف بالمكسيك.
ومضى سبعون عاماً بعد ذلك الاكتشاف إلى أن أدرك العلماء أن ذلك التمثال ومعه عدد من المنحوتات الحجرية والأجسام المصنوعة من الأحجار الكريمة مرتبطة من حيث طرازها الفني الفريد بثقافة لم يكن أحد قد علم بأمرها في ذلك الحين، وأطلق على تلك الثقافة اسم «أولميك» نسبة إلى الشعب الذي كان يقطن المنطقة التي عثر فيها على الرأس الحجري في وقت الغزو الاسباني.
وبعد 135 عاماً على اكتشاف أول آثار حضارة الاولميك، أقيم أخيراً أول معرض كبير لفنون هذه الثقافة نظمه المتحف الفني بجامعة برينستون الأميركية، وضم المعرض مجموعة مدهشة من الاعمال الفنية التي تغطي 700 سنة من تاريخ أقدم منطقة في أميركا الوسطى والمكسيك التي تعرف بـ «ميزوأميركا».
وتعتبر ثقافة الاولميك أساس كل الحضارات التالية التي تعاقبت على ميزوأميركا، وتبرز في مفرداتها التصويرية المواضيع نفسها التي ظهرت في الحضارات اللاحقة مثل حضارة الزابوتيك والتيوتيهواكان والمايا. وتؤسس التصاميم المعمارية المميزة لحضارة الاولميك مع منحوتاتها الرمزية وهيكلها المليء بتماثيل الآلهة، نمطاً ثقافياً فريداً استمر بأشكاله الاقليمية المتنوعة حتى زمن الغزو الاسباني.
ولم تتبلور دراسة هذه الحضارة الموغلة في القدم بشكل علمي منهجي إلا في الـ 65 سنة الأخيرة، والآن يجمع خبراء الآثار بأن فن الاولميك هو الأقوى تأثيرا والأكثر جاذبية وغموضاً ظاهرياً من بين كل الفنون التي ظهرت.
تمجيد الأطفال
وتتضمن مجموعة الاعمال الفنية الأثرية لحضارة الاولميك والتي يعود تاريخها إلى ما بين 1200 ق.م و500 ق.م ـ تتضمن تماثيل خزفية مفرغة لأطفال في وضعيات مختلفة وبالحجم الواقعي. وتعتبر حضارة الاولميك الحضارة القديمة الوحيدة التي تمجد الطفل البشري بهذه الطريقة البارزة البارعة.
وليس من المعروف ما إذا كانت تماثيل الأطفال هذه تصور الاسلاف الأوائل المقدسين أو الحكام المستقبلين اليافعين أو الأطفال الذين يتم التضحية بهم، لكن هذه التماثيل تمثل بكل تأكيد روائع فنية منقطعة النظير في تكنولوجيا الخزف، ويرجح أنها صنعت بوسائل بدائية بسيطة.
ويضم بعضها نقوشاً تشير إلى عائلة أو عشيرة الطفل موضوع التمثال، ويقول الخبراء المتخصصون إن هذه المجسمات الخزفية بكل ما تحمله من رموز ومعان تعتبر مقدمة أساسية إلى عالم ادراكات وأفكار حضارة الاولميك.
كائنات خارقة
تتكون قطع الأعمال الفنية من عناصر كالطين أو الحجارة التي كانت تتحول في أيدي الفنان بطريقة مشابهة لعملية تحوّل الكاهن إلى كاهن مختلف بحسب معتقدات الديانات القديمة في ميزو أميركا. وعلى سبيل المثال فإن الأوعية الخزفية المصنوعة من الطين كانت تصاغ بأشكال معينة ذات معانٍ محددة لتوضع فيها مواد مقدسة ذات استخدامات مهمة للكاهن. وربما كان الاعتقاد السائد هو أن مثل هذه الأوعية تساعد الكهنة على اكتساب القوة المقدسة للانتقال إلى عوالم أخرى.
وكان الكاهن أو الحاكم الكاهن يعتمد على الرحلات إلى العوالم الأخرى العلوية منها والسفلية للاتصال بأرواح الأسلاف القدامى، وينظر إليه على أنه صلة الوصل بين الطبيعة وما وراء الطبيعة ـ بين العالم السفلي والعالم الأرضي السماوي. ومن هنا جاء التجسيد الفني للتحول الذي يمر به الكاهن متحولاً من إنسان إلى طائر أو سمكة أو حيوان كاسر يمثل الطبيعة الحيوانية الكامنة في الإنسان.
ومن هنا يمكن القول إن الغاية المطلقة من إبداع فن الأولميك، هي منح الكاهن قوة خاصة، فالعديد من التماثيل تجسّد كائنات خارقة للطبيعة، ربما اعتبرتها الحضارات اللاحقة كائنات مقدسة أو آلهة. ومن الملاحظ أيضاً في الفن الأولميكي أن هناك تركيزا كبيرا على نحت الأقنعة المهيبة، التي كانت تمثل قوة التحول من الكينونة البشرية إلى عوالم ما وراء الطبيعة.
إعداد: علي محمد