مذهل ما قامت به د.سناء البياتي من اكتشاف النظام الذي يعمل بموجبه الدماغ لتوليد الجمل، والذي أطلقت عليه «صفر اللغة» للإشارة إلى المرحلة ما بين انبثاق الأفكار والتعبير عنها بجمل واضحة، مما يؤسس لمنهج نحوي لجميع اللغات (The Universal Grammar)، فضلاً عن كونه يخطو بقواعد اللغة العربية خطوات علمية ستؤدي إلى تيسير النحو العربي وتطويره، بعد أن اتهمت هذه اللغة الجميلة بكثير من الاتهامات المتجنية على الدوام.
ولأن الباحثة في مركز إحياء التراث العربي في بغداد تدرك جيداً أهمية هذا الاكتشاف فهي لم تتردد في الحديث عن الأسس والمراحل التي بنت عليها استنتاجها، مؤكدة أن الفكرة تمر بثلاث مراحل كي تنجز في شكل جملة، الأولى مرحلة تحديد المعنى العام كون الجملة خبرية مثبتة أو منفية أو استفهامية أو شرطية.
والثانية مرحلة تحديد العلاقات بين أجزاء الفكرة والتي تمثل عميلة الربط بين الكلمات عبر نظام هرمي مذهل يعمل بموجبه الدماغ، وصولاً إلى مرحلة تحديد الكلمات المناسبة واختيارها من بين الكم الهائل الموجود في الدماغ، فتخرج الفكرة وقد أصبحت جملة ذات معنى تام.
وحتى لا تضيع جهودها عبثاً في بلد يعاني مبدعوه وناسه وهواؤه، أقامت الباحثة العراقية العديد من المحاضرات والندوات في أقسام اللغة العربية والإنجليزية في مختلف جامعات بغداد، وسجلت هذا الاكتشاف باسمها في معهد التراث العلمي العربي، كما تمكنت من توثيقه في كتاب اختارت له عنوان (قواعد النحو العربي في ضوء نظرية النظم).
والمفرح أكثر أنها رشحت لجائزة نوبل في الآداب لهذا العام، لتعلن للجميع أن العقل العربي ما زال قادراً على الاكتشاف والعطاء، وأننا أمة ما زالت تستحق الحياة رغم كل شيء، فجائزة نوبل لن تتوقف عند ترشيحات أدونيس وغيره.. ولن يكون نجيب محفوظ أول العرب وآخرهم، كما أن الاكتشافات العلمية واللغوية لن تقف عند أحمد زويل.
اليوم تنهض مبدعة عربية من تحت الحصار والنار لتكتب بأحرف من نور، وتوقع هذا الاكتشاف الذي يرتبط بعلوم التشريح والنفس المعرفي واللغة، ترسم خطواتها بهدوء دون ادعاء فهل تستطيع الوصول والإفصاح أكثر عما اكتشفته، أم أن الحسابات السياسية والخلافات ستحرم العالم من منهج لغوي عالمي سيقدم الكثير للفكر الإنساني.
أسأل نفسي مراراً أين ذهبت إبداعات الخوارزمي وابن رشد والشيخ الرئيس، وكيف تعامل الغرب مع رسالة الغفران للمعري حين هلل لكوميديا دانتي، واعتبر صاحبها عبقري زمانه ومكانه، حاله كحال الكثيرين من مبدعي الغرب الذين اطلعوا على روائع الإبداعات العربية ولم يملكوا الشجاعة الأدبية للاعتراف بأفضال من سبقوهم، متناسين أن الإبداع حالات إنسانية يشترك فيها الجميع ولا تملك أمة واحدة خصوصية العبقرية أو بلسم الخلود والتميز..
هي رحلة تبدأ مع شهقة الولادة لتنتهي عند زفرة الوداع وبينهما حكايات وصراعات تبدأ من الصفر ولا تنتهي أبداً، فهل سينصفنا «صفر» سناء البياتي ويثير همة نوبل المتقاعسة دائماً عن الالتفات لإبداعاتنا وحضورنا الإنساني الخلاَق.