أصدر الروائي احمد عوض روايته الاولى في عام 1992وهي «العذراء والقرية».. وبعد مجيء السلطة الوطنية الفلسطينية، كان من أحد مؤسسي الإذاعة والتلفزيون، وأصدر بعد ذلك رواية «قدرون» عام 1995، أما رواية «مقامات العشاق والتجار» التي أصدرها عام 1997، فكانت من أولى الروايات التي تتحدث بصراحة عن مظاهر القصور التي ظهرت مع وجود السلطة، وتلتها رواية «آخر القرن» كاستمرار للرواية السابقة عام 1999.
مع اندلاع انتفاضة الأقصى، أصدر الروائي أحمد رفيق عوض عام 2001 رواية «القرمطي» ثم عام 2003 رواية «عكا والملوك».. وهذا العام أصدر رواية «بلاد البحر» والروايات الثلاث الأخيرة، روايات تاريخية بالمعنى الاحترافي والفني، أي أن المادة من التاريخ، أما السرد فهو حداثي.. التقته «البيان» وكان الحوار التالي:
ـ قبل أوسلو.. بعد أوسلو.. الرواية الفلسطينية لم تعبر عن الوضع بتشكيلته التاريخية الاجتماعية الملحمية.. لماذا برأيك؟ وهل الشعر كان الوسيلة الأفضل؟ أم لأن هناك محمود درويش مثلاً؟
ـ كان اتفاق أوسلو بالنسبة لي كما هو لغيري من الروائيين الفلسطينيين يشكل انقلاباً فكرياً وسياسياً واجتماعياً، الأمر الذي انعكس فيما نكتب، بمعنى أن الرؤية الفلسطينية بعد أوسلو تميزت بالارتباك والتشتت واختفاء الأبطال الذين تعودنا عليهم وظهور أبطال متشككين ومترددين مع ميل واضح لجلد الذات وانتقاد القائم ومحاسبة النفس.
الرواية الفلسطينية بعد أوسلو عبرت عن مرحلتها، بمعنى افتراق السياسي عن المثقف، وانغلاق المبدع على ذاته ومفارقته للمقولات التي أثبتت انكسارها وهزيمتها.
التاريخ سريع في فلسطين، والجغرافية ضيقة، التاريخ يصنع كل يوم في تلك الأرض العجيبة، والرواية تأمل وإعادة سرد وترتيب أحداث رُبما كانت الرواية ماضوية عادة، والرواية وجهات نظر أيضاً، كما هو التاريخ بالضبط. هذا ليس تبريراً لأي شيء، كما هو ليس اعترافاً بغياب الرواية الملحمية التي استوعبت الحدث الفلسطيني.
لكن، لماذا لا نقول إن ما كتب من روايات حتى هذه اللحظة ما هو إلا شظايا لحكاية ملحمية واحدة. ثم من هو الذي يقرر غياب تلك الرواية الملحمية؟! ومحمود درويش لم يكن عائقاً أمام شعراء غيره.
ليس هناك ذروة شعرية واحدة، فلسطين بلد التعددية وبلد الذروات، ودرويش مربك في بعض ما قاله، وإذا كان الشعر هو الوجدان الأول، فإن الرواية مضطرة أن تقول ما لم يقله السياسي وما لم يقله الفيلسوف وما لم يقله المؤرخ. الرواية نص يحتاج إلى نصوص أخرى، ويحتاج إلى رؤية مختلفة عن الشعر. وبعيداً عن كل هذا الكلام فإن الموهبة الكبيرة ستفرض نفسها عاجلاً أو آجلاً.
بعد اتفاق أوسلو شهدت الساحة الفلسطينية كماً كبيراً من الروايات، وهي روايات تراوحت ما بين السيرة الذاتية والنقدية والتاريخية وغيرها، ولكن ما ميز هذه الروايات جميعاً هي الفردانية العالية والرغبة في الجدل وطرح قضايا لم تطرح فيما مضى، كما أن القضية الفلسطينية لم تعد فيها هي القضية المركزية، كانت هذه الروايات ـ بمعنى من المعاني ـ روايات ما بعد الدولة.
ولهذا أخذت في الالتفات إلى الداخل، فتصدت لحساب النفس وجلد الذات، المظاهر التي صاحبت ميلاد السلطة استدعى نصاً روائياً مختلفاً وجديداً، على مستوى الشكل والمضمون، أما على مستوى الشكل فقد صار مفككاً ومتشظياً ومن دون هيكل عظمي أو جملة مركزية بؤرية، وأما على مستوى المضمون فقد تعدّد وحاول الإجابة عن أسئلة لم تكن مطروحة من قبل.
ـ للكتابة عن الراهن ينابيعها الواقعية، وربما تكون أقرب إلى الموضوعية والمصداقية.. ولكن لتلك الكتابة انزلاقاتها أيضاً، ماذا عن التجارب التي عاصرتها، وماذا عن تجربتك؟
ـ بالنسبة لي فإن أحد مصادري هو الواقع.. أقول أحدها وليس كلها.. فأنا أعتقد اعتقاداً جازماً أن الأوهام والأخيلة والأسطورة هي من مصادري المهمة في الكتابة. بالمناسبة، منذ روايتي الأولى «العذراء والقرية» وحتى روايتي الأخيرة «بلاد البحر» فإن الواقع يختلط بالوهم اختلاطاً كبيراً بحيث لا يمكن التفريق بينهما.
أنا أعتقد أن الأوهام التي تتحول إلى حقائق بفعل الزمن وبالتالي تصنع الوجدان هي من أهم محركات التاريخ. إن ما يحركنا نحن كأشخاص هو ما نعتقده عن أنفسنا. صحيح أن مادتي الأولى هي الواقع، ولكن الواقع هو السطح دائماً، أنا أحاول أن أنظر إلى الأعماق التي خلقت من السطح سطحاً. بلغة أخرى، الواقع لا يكفي.
وأعترف أيضاً ـ من دون ادّعاء أو غرور أو خصوصية ـ أنني أرى روايتي قبل أن أكتبها، أو أنني أكتب روايتي في قلبي قبل أن أكتبها على الورق. أراها تتشكل يوماً بعد يوم، ثم فجأة لا أستطيع أن احتملها فأذهب إلى الورق وأحبسها هناك.
ثم إن العالم معقد، وفيه كثير من الاشتهاءات واللذائذ التي تحتاج إلى ثرثرة كثيرة. العالم رائع وجميل ويحتاج إلى كلام كثير للتعبير عنه، أنا أفرح عندما أكتب رواية، وأظل في حالة توتر عالية ورائعة طيلة مرحلة الكتابة، وعندما أنتهي أستغرب كيف سأبدأ العيش من دون رواية.
ـ روايتك الأولى «العذراء والقرية» أثارت حين صدورها ضجة كبيرة في قريتك.. هل لامست «تابو» معيناً سياسياً أو اجتماعياً؟ أم هي من انزلاقات الكتابة عن الراهن؟
ـ رواية «العذراء والقرية» تحدثت عن بنية اجتماعية وسياسية مهترئة أدت إلى هزيمة 1967، كتبت ذلك ضمن أمكنة محدودة شمال فلسطين، فاعتقد بعض الناس أنني أكتب حكاياتهم، فثاروا واتهموني بالفضائحية والنمائمية، لم يكن ذلك صحيحاً، المشكلة أن من ثاروا عليّ هم من حاولت أو رغبت في إنصافهم، أي الفقراء والمسحوقين.
رواية «العذراء والقرية» هي رواية الناس في شمال فلسطين قبل هزيمة 1967، كانت جريئة وواضحة وتشير أصابع الاتهام إلى من صنعوا الهزيمة، فاختلط السياسي بالاجتماعي والشخصي وكان أن أجبرت على ترك بلدتي والسكن في رام الله حتى هذه اللحظة.
ـ ماذا عن طبيعة العلاقة الآن بين الثقافي والسياسي؟ وماذا عن وسائل الإعلام، وإشكالية الاتصال مع العالم الخارجي في ظل هذا التطور التقني المتسارع؟
ـ أعتقد أن من الصواب القول إن العلاقة بين السياسي والثقافي أصبحت واهية جداً بعد أن اكتشف المثقف الفلسطيني في الداخل حجم الخديعة، أو حجم الفشل ثم اكتشف أن الفلسطيني هو شخص عادي وليس مقدساً، وأن الثورة يمكن أن تتحول إلى وجهات نظر مختلفة، والرواية الفلسطينية الآن هي التي بدأت تكشف ذلك بوضوح وجلاء.. ولكن من الغريب مثلاً أن كتاب الرواية الجدد في فلسطين يتجهون إلى كتابة «ايروتيكية ذاتية» من دون مضمون.
أما بالنسبة لوسائل الإعلام في الداخل فهي متعددة جداً، فمنها ما هو حكومي وخاص، ويندر أن تجد مدينة فلسطينية من دون أن يكون فيها عدد من التلفزيونات والإذاعات الخاصة، بالإضافة إلى مراكز الانترنت الكثيرة، وقد تعوّد عدد كبير من المثقفين الفلسطينيين عليه كوسيلة تواصل ونشر وتبادل ثقافي ومعرفي مهم في ظل الحصار الإسرائيلي.
وهناك مراكز وأشخاص وشركات تقوم بنشر مقالات وقصص، وحتى روايات على الانترنت، ومن الواضح أن هذا جزء من شروط اللحظة المعيشية، ومن الطبيعي أن يكون له تأثير على الكلمة المطبوعة التي يتراجع قارئوها بانتظام، بسبب ما يُسمَّى بـ «ثقافة الصورة»، ولكن في المقابل من الواضح أيضاً أن مواقع الرواية في فلسطين تتقدم بشكل ملحوظ، بالنظر إلى الفترات الماضية، وإلى التجارب العربية المعاصرة.
حوار: محمود أبو حامد