مع تشعب التزامات المرء ومتطلبات حياته العصرية وما يحيط به من شبكة مسؤوليات إلى جانب اهتمامه ومعايشته للواقع العام وتأثره بما يجري حوله والذي تغلب عليه مظاهر العنف والظلم والأحداث الدامية والحروب المشتعلة والتلوث البيئي؛ يجد المرء نفسه وسط هذا كله في حاجة إلى الانسجام والقدرة على التعايش واكتساب مهارات الخروج من الأزمات بنفس سوية وبدن صحيح.
لذلك بدأت تنتشر أفكار ودعوات تنادي الإنسان بالعودة إلى الطبيعة والى الذات والتعرف على مكامن الطاقة والقدرة فيها. وطالما حفل الشرق بظهور فلسفات تنطلق من هذه القدرات واليها، ومنها منظمة «فن الحياة».
وهي الدعوة التي أخذت تنتشر في أقطاب العالم وهنا لقاء مع(ديناش ) أحد معلمي منظمة «فن الحياة» درس (IT) تكنولوجيا المعلومات وعمل بدوام جزئي في فن الحياة حتى أنهى دراسته الجامعية ثم تفرغ كلياً للتدريب على فن الحياة.
حول فكرة هذا الفن أو الفلسفة وكيفية تطبيقها دار الحوار معه:
الرغبات هي سر المآسي
* ما هو فن الحياة الذي تقدمون له، وما هي المؤسسة التي تنطلقون منها؟
ـ منظمتنا تطوعية بحته وتعتبر اليوم من أكبر المنظمات التطوعية في العالم؛ لكونها تتمتع بدعم خاص من المجلس الاقتصادي الاجتماعي للأمم المتحدة، ونعمل في 164 بلداً حول العالم. مضى على قيامها 25 عاماً، ونحتفل هذا العام باليوبيل الفضي لمؤسسة «فن الحياة».
وبهذه المناسبة، أعددنا برنامجاً بعنوان «عائلة عالمية واحدة» في بنغلور بالهند حيث حضر أكثر من 2,5 ملايين شخص جاءوا من 150 بلداً في العالم وجلبوا معهم ثقافاتهم وتقاليدهم وفنونهم وموسيقاهم.
ويضيف: أما «فن الحياة» الذي ندعو إلى تعلمه وممارسته فينطلق من كوننا جميعاً نعيش في هذه الحياة بشكل يبدو آلي روتيني لا يتعدى الأكل والنوم والعمل على واجباتنا اليومية فقط، بينما للحياة مهارات تجعلها اكبر من ذلك وتشملها بالجمال والروعة، وما نعنيه بـ «فن الحياة» هو كيفية الاستمتاع بالحياة وكيف يمكننا القيام بواجباتنا بعيداً عن التوتر المصاحب مما يشحننا بمزيد من الفرح والحماس وبابتسامة لا يمكن لأحد أن ينتزعها أو يعطلها عنا وهذا المقصود بفن الحياة.
* ندرك أن لدى ثقافة الشرق تقاليد قائمة على التأمل مثل «اليوغا» فهل ترتبط هذه المهارات باليوغا؟
ـ في الواقع ان الإجابة هنا هي«نعم» و«لا» معاً؛ لأن العديد من الناس يعتقدون أن اليوغا هي مجموعة من الجلسات التي نقرأ عنها في الكتب، أو التدريبات على ممارستها؛ لكن هناك جانباً روحياً لليوغا باعتبارها هدفاً لاتحاد العقل والجسم والروح، لنتوصل إلى جعل الجسم صحياً ونشيطاً، وأن نبقي العقل في حالة تركيز وهدوء واسترخاء في الوقت نفسه كما هي محاولة للإبقاء على فرحة الروح وبهجتها، معاً.. ولجميع الناس وفي كل الظروف. فاليوغا هي كل هذه العناصر مجتمعة.
وفي هذه الحال، سأقول لك «نعم»، فن الحياة هو «اليوغا». ويضيف أما التركيز فهو بلا شك يكون على عملية التنفس فهو بطبيعة الحال عامل في غاية الأهمية ولأننا نقوم به بسهولة وبتلقائية، ومنذ اللحظة الأولى في حياتنا حين نقوم بأول شهقة، إلى آخر لحظة من حياتنا مع آخر زفرة، وما بين هذا الشهيق والزفير تمضي حياتنا.
لكن ما مدى الأهمية التي نوليها لتنفسنا؟ لا نبالي بذلك كثيراً. فهل تعلمين أننا نتخلص من 80 إلى 90% من حالات التسمم والأمراض والإجهاد عن طريق التنفس؟ إلا أن معظم الناس لا يستخدمون سوى30% من طاقتهم فقط في هذا الإطار.
* نفهم من ذلك أن الاهتمام منصب على عملية التنفس؟
ـ نعم، هو كذلك. ويضحك العديد من الناس عندما يعلمون بأن عملي هو «تعليم الناس كيف يتنفسون»! إن أسلوب حياتنا يجعلنا نهمل هذا الأمر الأساسي فيها: وهو «كيف نتنفس».
* وهبت نفسك ووقتك لهذه الوظيفة هل تحدثنا عن كيفية التوجه إليها واكتشاف النتائج؟
ـ من خلال أصدقائي تعرفت إلى هذا المجال. والحقيقة كنت بعيداً عن الالتزام بالنواهي، وكنت أتعاطى الممنوعات، وقد أكون قريباً إلى التمرد على والدي؛ لكني كنت أمارس رياضة الركض بشكل دوري، وبعد أول جلسة في فن الحياة استطعت القيام بجولتين إضافيتين إلى جانب ما كنت أستطيع القيام به من قبل، وذلك بعد ستة إلى ثمانية أشهر من التمارين!
ولاحظت ذلك منذ اليوم الأول - فقط - الذي تعلمت فيه كيف أتنفس! وقد أحببت تدريبات فن الحياة من أول يوم، وقد تطورت كثيراً بفضلها، وتحسن أدائي في كل شيء.
وشعرت من وقتها انه يجب علي نشره وإفادة الجميع، وقد أدركت أن هناك أسراراً متعددة للتنفس والطاقة الذاتية التي لا نزال نجهلها، ولذلك فإن دور اليوغا و«فن الحياة» هو تعليمنا هذه الأسرار حتى نستخدمها في بناء علاقات أفضل والقيام بعملنا وواجباتنا بنجاعة وإتقان أكبر، وبذلك نحقق الشعور بالفرح والرضا في الحياة، وهو ما حصل معي وتمكنت من ترك ونبذ المسكرات وتحسنت علاقتي بوالدي ونجحت جداً.
* هل يمكن معرفة المستهدف في «فن الحياة»؟
ـ كل من يتنفس! أي كل إنسان... وبالفعل يحضر جلساتنا مجموعات مختلفة تبدأ من عمر الثامنة وما فوق، كما لدي أشخاص يبلغون من العمر 105 سنة. ودعيني أقول أن الفئة التي تتراوح أعمار أفرادها بين 8 و14 عاماً، نقدم لهم دورات تعرف بـ «مهارات فن التفوق» وهي تمارين تهدف إلى إحراز النجاح بتفوق. أما الفئة العمرية الواقعة بين 14 إلى 18.
وهي مجموعة المراهقين، وما يتعلق بهم من قضايا واهتمامات مختلفة عن قضايا الأطفال الصغار، فهؤلاء نقدم لهم «مؤتمرات لتقوية الشباب» أو ما يعرف ببرنامج «ياس» youth empowerment seminar (YES) وهو برنامج منتشر حول العالم في المدارس والثانويات. ثم لدينا برنامج «ياس بلاس» YES PLUS . .
لطلبة الجامعات وغيرهم لكنه موجه للشريحة العمرية بين 18 إلى 25 سنة. ولدينا برنامج للرجال عموماً، وآخر للموظفين التنفيذيين الذين يتعرضون لمختلف أشكال التوتر نتيجة التحديات المختلفة.
كما لدينا برامج مخصصة لنزلاء المؤسسات العقابية أو من يطلق عليهم «المجرمون»، حيث ندربهم على مهارات تمكنهم من التخلص من مشاعر الغضب والضغينة والكراهية التي بداخلهم ونساعدهم على استعادة إنسانيتهم حتى إذا خرجوا من السجن يمكنهم الاندماج في المجتمع بسهولة. وقد حققنا نجاحات كبيرة حول العالم بهذه البرامج المتنوعة، كما لدينا برامج خاصة للناس الذين يعانون من بعض الأمراض كالسرطان والإيدز.
ليست لدينا أهداف سياسية
* هل تحقق هذه البرنامج شفاء هؤلاء المرضى، أم هو مجرد مساعدتهم على تقبل المرض والتعايش معه وكيفية التعامل معه فقط؟
ـ يمكنني الإجابة «بنعم» حيث يتحقق شفاء بعض الحالات من المرض، لكن في معظم الحالات يكون الدعم الذي نقدمه لهم ما يساعدهم لمواجهة المرض، ويصرحون بأنه أصبح يمكنهم التعامل مع المرض بسهولة عن قبل.
لدينا أشخاص يعانون من الإيدز، وهو مرض أصبح معروفاً بأنه يتسبب في إضعاف جهاز المناعة، وقد أظهرت الأبحاث أن هذا النوع من الأمراض يؤثر على آليات الدفاع عن الجسم، ومن النتائج الجميلة أن دوراتنا تساعد هؤلاء المصابين على تعزيز المناعة لديهم.
وعلى سبيل المثال فقد لاحظنا زيادة نسبة الكولسترول الجيد وانخفاض النوع السيئ منه، وزيادة نسبة المواد المضادة للأكسدة في الجسم مما يجعلهم يبدون أصغر سناً وأكثر حيوية، وهذا الأمر يساعد أيضاً في علاج أمراض نفسية أخرى كالاكتئاب وهو مشكلة حقيقية وغيره، حيث قال لي أحد الأطباء إن 27 % في أوروبا يعانون من الاكتئاب فيما يعتقد الأطباء أنه لا يمكن وصف دواء «بروزاك» لكل هؤلاء .
وقد رأينا من خلال برامجنا كيف تم علاج كل أنواع الكآبة والاكتئاب. لكن ذلك لا يعني أبداً أن دوراتنا مخصصة للناس الذين يعانون في الحياة فقط، بل هي أيضا للأشخاص السعداء الذين يبحثون عن بعد جديد لحياتهم، وكأنك تعيشين في بيت واسع ولا تستعملين فيه سوى غرفتين، فلماذا لا تستعملين كل الغرف؟!
* في البدء، كانت اليوغا تستعمل لتجاوز الرغبات، هل هذا صحيح الآن؟
ـ ليس بالضرورة، لكن كما تعلمين الرغبات هي السبب وراء مآسي الإنسان، فإن لم يتمكن الإنسان من تحقيقها، فسيسبب له ذلك الشعور بالحرمان والغضب وكل الأحاسيس السلبية، بل حتى عندما نحققها فنحن غير سعيدين تماماً ونبحث عن شيء آخر. فاليوغا تجعلك أكثر وعياً بما يحدث في عقلك.
* بخصوص مؤسس فن الحياة، «شري شري رافي شنكر»، يحبه الناس كثيراً ويعاملونه أحياناً كـ «رسول» ما تعليقك؟
ـ هو إنسان حكيم ساعد الناس كثيراً في تخطي مصاعبهم وأمراضهم وإيجاد السعادة في حياتهم، كما في محاولات الانتحار وغيرها من المشاكل. وقد منح الناس وعياً لحياة جديدة، لذلك يحبه الناس ويحترمونه ويعتبرونه دليلاً ومرشداً.
* هل يمكن القول إن «فن الحياة» ذو خط سياسي، وهل لديكم أهداف سياسية؟
ـ ليس لدينا أية أهداف سياسية؛ إنما نحن نهتم بالقضايا الاجتماعية، ورسالتنا عامة لكنها قوية، وما نقدمه في برامجنا لا يختص بثقافة معينة أو يروج لديانة معينة. إنما ينطلق من إدراكنا ان جميع الناس يخضعون لتجارب سلبية في الحياة، وجميعهم ينشدون الراحة والسعادة في العالم، وهدفنا هو تحقيق ذلك لجميع هؤلاء.
* تتوجهون بدعوتكم وبرامجكم للعديد من الملل وأصحاب الثقافات المختلفة ألا تتعرض توجهاتكم للرفض من قبل البعض؟
ـ بل على العكس لقد قوبلنا بكثير من الود من مختلف الثقافات ومنها في السعودية والعراق وعمان والبحرين والإمارات والمغرب ومصر والعديد من البلدان العربية والإسلامية.
حيث استنتج الناس أن دوراتنا جعلتهم أكثر قرباً من معتقداتهم الأساسية، وقد قالت لي إحدى السيدات في باكستان إن تدريبات آلية التنفس جعلتها أكثر تركيزاً في عباداتها، كما قال لي أحد السجناء إن هذه التدريبات جعلته أكثر تركيزاً فأصبح يقرأ القرآن بسهولة أكبر. ودعيني أقول إننا نتعامل مع الإنسان في كل مكان وما يهمنا هو سعادته.
* بسبب هذا المجال اقتربتم من الثقافة العربية والإسلامية فكيف وجدتموها؟
ـ تعلمت من طلابي الكثير، ومنهم مسلمون وقد كانوا يقولون لي إن كل ما نتعلمه هنا موجود في القرآن أيضاً، وقد أصبحت أكثر معرفة بثقافة العرب ولقد أحببتها كثيراً.
* قمتم بدورات في دبي وأبوظبي ما هو انطباعكم حولها؟
ـ أولاً دعيني أقول إنها الزيارة الرابعة أو الخامسة لدبي وقد زرت أبوظبي أيضاً. وكانت دورات دبي جيدة، ووجدتها فرصة مثالية للتعرف على ثقافة البلد، إلى جانب رؤية هذا الخليط من الناس وهذا هو هدفنا.
* هل تظهر نتائج التمارين بسرعة على عادات الناس؟
ـ قد يتساءل الناس كيف يمكن لتدريبات بسيطة كهذه أن تغير عاداتي التي تدوم لسنوات عديدة، والجواب هو أن الغرفة التي ظلت في الظلام لمدة 20 عاماً لا تحتاج إضاءتها إلى 20 سنة أخرى. فقد ترك بعض الناس التدخين أو شرب الكحول وغيرها من العادات السيئة بفضل تدريبات فن الحياة.
حوار: فاطمة محمد الهديدي