ـ هذه ساعة للحزن، ولا تصلح للغناء..
ترجل فارس الرواية العربية عن جواده العربي الأصيل، ورحل..
رحل شيخ الرواية وصاحب نوبل والشمعة المنيرة في ساحتنا العربية.. رحل الرجل الجليل.. بعد أن قال كلمته الصادقة القوية المعبرة عن عجزنا وضعفنا وصمتنا..رحل عملاق الرواية العربية عن عالمنا الذي ينوء بالأحمال والكوارث والمصائب، ونحن في أمس الحاجة إلى قمة مثله، لنرفع هاماتنا فوق جبال الهزائم والانكسارت التي منيت بها أمتنا العربية عبر السنوات الماضية.
لماذا تركتنا أيها الشيخ الجليل ونحن ـ الآن ـ نريد صوتاً كصوتك، نريد نصراً أدبياً أو معنوياً يثبت وجودنا، نريد رفع رؤوسنا في المحافل بعد أن أحناها الزمن وتكالبت عليها الخطوب والأيام الصعبة. نريد كلمة تسري في مسمع الزمان، لا تهدأ أو تتوقف لها مفعول السحر في نفوس البشر المستضعفين في الأرض.
مازلت أذكر أعمالك الأدبية التي صحوت عليها أيام الصبا وباكورة الشباب.. مجموعة (همس الجنون) .
وهي من الكتابات التي عرفتك بها، في ذلك الزمن البعيد، أعجبت بالسرد القصصي الجميل، قدرة الكاتب على الإمساك باللحظة الراهنة في الحدث القصصي..لكنني مع مرور الأيام أصبحت قادراً على قراءة (بين القصرين) والسكرية وقصر الشوق وزقاق المدق وبداية ونهاية.
في (زقاق المدق) أعجبت بشخصية زيطة صانع العاهات وحميدة المتمردة على حياة الفقر في الحارة والمعلم كرشه صاحب المقهى.. كلها شخصيات روائية من إبداعك على الورق ولكنها أصبحت حية نابضة تعيش بيننا، نعجب بها ونحبها، ونصادقها في الواقع المعاش..
انتقلت إلى قراءة الروايات التي تنشر في (الأهرام) كنا نتلقفها وهي تنشر على حلقات أذكر منها (أولاد حارتنا) التي بحثنا عنها بين الكتب فلم نجدها.. وبعدها زال تأثير قصص (همس الجنون) من عقلي وخيالي.. طغت عليّ روايات وكتابات ما بعد النكسة عندما قرأت (خمارة القط الأسود) والحالة المزرية التي وصلنا إليها في ذلك الوقت..
خمارة القط الأسود تصور شخصية هامشية كالنباتات الشيطانية التي لا جذور لها ولا تاريخ بالحارة، فجأة تنقلب من النقيض إلى النقيض وتطيح بكل الرجال وتتغلب على جميع الفتوات، وهي إشارة واضحة إلى هزيمة 5 يونيو 67.
(همس الجنون) وإن كانت من الكتابات التقليدية التقريرية عند شيخ الرواية، لكن السرد الروائي في الكتابات التالية، أظهر الفارق الكبير والمذهل في الكتابات الرائعة التي استحق عليها، محفوظ، نوبل بجدارة..
و(تحت المظلة) تقف مجموعة من البشر في انتظار الحافلة.. لكن يدور أمام أعينهم في الشارع مشاهد غريبة وغير مفهومة أو منطقية لهم، كالتصوير السينمائي والمشاهد الخادعة وهم وقوف تحت المظلة لا حول لهم ولا قوة، يجدون أنفسهم في النهاية متهمين، ويوجه لهم الشرطي مسدسه ويطلب من كل واحد إبراز هويته. كلنا متهمون. كلنا ضحايا.. كما صاح بها في رواية (الكرنك). نحن ضحايا ومتهمون.. فالنكسة قد أصابت الجميع وأدانت المجتمع بأكمله، لا فارق بين الضحية والجلاد، القاتل والمقتول، الجرح والسكين، لا أحد منا يدعي البراءة أو البكارة..
جاءت أعمالك، أيها الشيخ الوقور..انعكاسات عن أثر النكسة في نفوس البشر..النكسة التي حلت بالبلاد، فلم نعد نستطيع التفريق بين الطيب والخبيث، الحسن والقبيح، كل الأشياء تساوت وتداخلت وتضاربت وأصبحت ضبابية.. لكن ـ شيخنا ـ استطاع أن يتشوف هذه الحالة المزرية التي وصلنا إليها.. من قبل أن تقع النكسة في (ثرثرة على النيل) والعوامة الراسية على ضفاف النهر سوف يسحبها التيار وتغرق في يوم من الأيام.. فالنكسة قادمة لا محالة، وكل من على ظهر العوامة مجموعة من المساطيل من اثر المخدرات التي ذهبت بعقولهم..
وجاءت خمارة القط الأسود وتحت المظلة والحب تحت المطر والكرنك.. شيخ الرواية أهال علينا التراب، كأنما يقول لنا لقد أخبرتكم من قبل.. لكن الكل نيام، نيام. متى نستيقظ من هذا النوم الطويل. متى نهب يا شيخنا من رقدتنا هذه..
من يقرأ الآن (همس الجنون) يقول كيف وصل صاحبها إلى (العالمية) سوف يصاب بالذهول عندما يقرأ ملحمة الحرافيش وأولاد حارتنا واللص والكلاب وميرمار والشحاذ.. هنا تكمن عظمة وروعة عملاق الرواية العربية، بدأ بالتقريرية المباشرة ولم يتوقف عن التجريب في الرواية إلى أن وصل العالمية بجدارة.. لقد أخلص الرجل والشيخ والفارس لفنه وأدبه وفكره وأعطاه وقته وجهده وحياته فنال على كل هذا نوبل، وعقول البشر..
الآن، سوف يستريح الزمن طويلاً.. يجب أن يستريح، ليتمخض وينجب لنا محفوظ آخر وليس مسخاً مشوهاً، مثل زماننا.