يسعى وزير الثقافة السوري الجديد الدكتور رياض نعسان آغا إلى إقامة نشاطات ثقافية كبيرة ومتميزة، منها إقامة مهرجان الشباب الأول للفنون المسرحية في مدينة إدلب، شمالي سوريا، مع التنويه إلى أن هذا المهرجان سوف يُقام مرة كل سنة في إحدى المحافظات البعيدة عن العاصمة بغية تفعيل النشاط المسرحي فيها.

افتتح المهرجان مؤخراً، في قاعة المسرح بمديرية الثقافة بإدلب، وهي القاعة التي أطلق عليها في العاشر من يوليو الماضي اسم (قاعة حسيب كيالي) ضمن ندوة «حسيب كيالي وأدب السخرية» التي أقامتها وزارة الثقافة، بمبادرة من الوزير نعسان آغا، في الذكرى الثالثة عشرة لرحيل هذا الأديب الكبير في مدينة إدلب باعتبارها مسقط رأسه.

تكريم رواد المسرح

في حفل الافتتاح تم تكريم ثلاثة من أهم رواد المسرح من مدينة إدلب، أولهم الأديب الراحل رياض سفلو الذي كتب أعمالاً مسرحية متميزة منها «الحطاب» و«فرعون لا يشبه الفراعنة»، وكانت له أعمال تلفزيونية مهمة جداً منها، مسلسل «المحكوم» وفيلم «الميلاد» من إخراج فردوس الأتاسي، ومسلسل «العبابيد» من إخراج بسام الملا، وفيلم «الهيبة» من إخراج عبدالمسيح نعمة..

وثانيهم رائد الفنون الشعبية الأول في إدلب عبدالرحمن نجار، أبو تركي الذي درب أجيالاً متتالية على الرقص الفولكلوري العربي، ولعبة السيف والترس والنبوت التي تعتبر من الفنون المسرحية الشعبية المحببة إلى الناس..

وثالثهم المسرحي المخضرم مروان فنري الذي عشق المسرح منذ خمسين عاماً، وقدم أعمالاً متميزة لكتاب كثيرين، كعبدالفتاح قلعجي وفرحان بلبل ووليد إخلاصي وسعد الله ونوس وممدوح عدوان، كما أنه أخرج في سنة 1971 مسرحية «تراجيديا أوليس» من تأليف رياض نعسان آغا التي فازت في مهرجان مسرح الهواة الذي كان يقام في دمشق بجوائز أحسن نص وأحسن إخراج وأحسن ممثل.

وتضمن حفل الافتتاح تقديم مشهد من تلك المسرحية، إضافة إلى فيلم وثائقي عن الحياة الفنية للمكرمين الثلاثة، مع عرض شرائح ضوئية من أعمالهم، أعد الفيلم رمزي نعسان آغا الذي يعمل معداً للبرامج الثقافية في التلفزيون السوري، معتمداً بالدرجة الأولى على أرشيف التلفزيون.

وفي صباح اليوم التالي ألقى الدكتور باولو ماتييه بالاشتراك مع ميشيل مقدسي محاضرة مهمة عن مملكة إيبلا (التي تقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظة إدلب) على ضوء المكتشفات الأثرية.

عرضان خارج التحكيم

قُدمت في حفل الافتتاح مسرحية «حكي القرايا وحكي السرايا» من إخراج مروان فنري، التي سبق لفرقة مديرية الثقافة بإدلب أن قدمتها سنة 1992 بحضور كاتبها الأديب الراحل ممدوح عدوان، وأعقب تقديمها حينئذ ندوة جماهيرية حول العرض، والمسرح بشكل عام.

تقوم فكرة المسرحية على أن الناس من أهل القرى (القرايا)، تسحرهم الصورة التي رسمتها مخيلاتُهم عن أهل الحكم والسلطة والقصور والسرايات التي يسكنون فيها، وحينما يزورون السرايات ويرونها عياناً يكتشفون الهوة وبعد المسافة بينهما، ويضطرون حينئذ إلى تصحيح موقفهم منها ومن سكانها، وقد نقل عدوان الفكرة من الإطار الاجتماعي إلى الإطار الوطني، إذ جعلها تتحدث عن مقاومة الاحتلال الأجنبي، (الفرنسي مثلاً) مفترضاً أن أهل السرايا هم ضباط الاحتلال وجنرالاته.

والجدير بالذكر أن مروان فنري اعتمد في تقديمها في الافتتاح- كنوع من التوثيق- على نفس الممثلين الذين أدوا أدوارها قبل أربع عشرة سنة، رغم تقدمهم في العمر الآن.

وفي حفل الاختتام قدمت مسرحية «مقام إبراهيم وصفيّة» لفرقة المسرح المدرسي بحلب من تأليف وليد إخلاصي وإخراج محمد طيلون بطولة محمد دباغ وديانا فلاحة. والمسرحيتان بقيتا خارج التقويم والتحكيم.

العروض المشاركة

شارك في المهرجان أربعة عشر عرضاً مسرحياً لفرق قادمة من عشر محافظات سوريا، هي، حسب تسلسل العرض:

أوهام، لفرقة حلب، من تأليف صلاح حسين، إخراج بلال جركس.

وخزات، لفرقة إدلب، من تأليف حسين علي البكار، إخراج أحمد الخطيب، إثنان، لفرقة درعا، من تأليف خليل الرز، إخراج محمود عوض، حكايا الملوك، لفرقة اللاذقية، تأليف ممدوح عدوان، إخراج هاشم غزال، العاري والأنيق، لفرقة حماه، عن نص لداريو فو، إخراج مولود داود، كائنات هشة، لفرقة الحسكة، تأليف وإخراج إسماعيل خلف، السيدة الفاضلة، لفرقة حماه، تأليف جان بول سارتر، إخراج يوسف شموط، الحيوانات الزجاجية، لفرقة حمص، تأليف تينيسي وليامز، إخراج هناد ضاهر، شيزوفرينيا، لفرقة دير الزور.

تأليف حسام سفان، إخراج ضرام سفان، هاي شكسبير، لفرقة حلب، تأليف صهيب عنجريني، إخراج حكمت نادر عقاد، نهدا ساطور، لفرقة ريف دمشق، عن نص لجيوم أبولينير، إخراج كميل أبو صعب، اسأل روحك، لفرقة السويداء، تأليف وإخراج معن دويعر، الخادم والأخرس، لفرقة دمشق، عن نص لهارولد بنتر، إخراج زهير بقاعي، زوار آخر الوقت لفرقة حماه، عن نص لإيفون وولف، إخراج عصام الراشد.

ولعل ما يجمع بين هذه العروض هو سعيها لطرق أبواب القضايا الوطنية والإنسانية ومشكلات الحياة التي تؤرق الإنسان السوري المعاصر، وقد تنوعت أساليب العرض فقاربت عدة مدارس فنية بدءاً من الواقعية، وانتهاء بالدادائية والسريالية. بعض العروض قدمت بطريقة السهل الممتنع الذي يعالج القضايا المتنوعة، مهما كبرت، ببساطة، وحيوية يغلب عليها المرح، والبعض الآخر حشر نفسه في خانة الذهنية الصعبة التي تسعى إلى طرح أفكار معينة وإثبات صحتها بطريقة تنقصها الحيوية ويغيب عنها الإقناع.

شيوخ المسرح وشبابه

ولعل ما أعطى لهذا المهرجان جرعة إضافية من الأهمية هو مشاركة كبار المسرحيين السوريين في فعالياته إلى جانب الشباب، فقد حضر العروض وشارك في مناقشتها مع مبدعيها كل من:

وليد إخلاصي، فرحان بلبل، عبد الفتاح قلعجي، زيناتي قدسية، هشام كفارنة، إيليا قجميني، وأنيس باندك، مروان فنري، محمود خضور، حمدي موصلي، نجم الدين سمان، جهاد الزغبي، أسامة سيد يوسف،.. إضافة إلى الصحافيين المخضرمين نادر أصفهاني ولؤي عيادة. وقد أقيمت خلال المهرجان ندوتان فكريتان عن (أزمة المسرح السوري وسبل تطويره)، و(النص المسرحي والتعاون بين الكاتب والمخرج).

توصيات لجنة التحكيم

في حفل الختام أعلنت لجنة التحكيم المؤلفة من وليد إخلاصي وعبدالفتاح قلعجي وحمدي موصلي وأنيس باندك ونادر أصفهاني وموسى بابا داكيس توصياتها التي ترغب بمراعاتها في المهرجانات المقبلة، وهي:

1- الاهتمام بالنص المحلي، ورفع مستوى الإعداد.

2- حث مديرية المسارح بوزارة الثقافة على إقامة دورات لإعداد الممثل وتقنيات الإخراج والتقنيات المسرحية الأخرى كالديكور والإضاءة والصوت والماكياج.

3- إشراك خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية في بنية فرق المحافظات.

4- ضرورة اهتمام الفرق باللغة العربية والإقلال من اللحن والأخطاء النحوية.

النتائج

خرجت لجنة التحكيم في هذا المهرجان عن الشكل المتعارف عليه للجوائز، أعني ترتيب الفرق الفائزة (أولى، ثانية، ثالثة)، وجاءت نتائجها على النحو الآتي:

ـ جائزة أفضل نص مشارك حجبت، بسبب عدم وجود نص لكاتب شاب سوري، سوى نص خليل الرز (إثنان) الذي لم يكن أثناء عرضه في المستوى المطلوب.

ـ جائزة أفضل عرض مشارك منحت لعرض «نهدا ساطور»، لفرقة ريف دمشق، إخراج كميل أبو صعب.

ـ جائزة أفضل مخرج، نصفت بين هاشم غزال من اللاذقية وعصام الراشد من حماه.

ـ جائزة أفضل ممثل شاب لأسامة جنيد من ريف دمشق.

ـ جائزة أفضل ممثلة شابة نصفت بين عتاب نعيم من ريف دمشق وياره بشور من حماه.

ـ تنويه بأداء الممثلين والممثلات: رغداء جديد من اللاذقية، ولما شاهين من حماه، ووسام مهنا من اللاذقية، ولبنى العلي من حلب.

نشاطات موازية

أقيم في صالة المعارض بمديرية الثقافة معرض تشكيلي لأهم مقتنيات وزارة الثقافة بدمشق، وقد ضم المعرض لوحات ومنحوتات لكل من: نذير نبعة، خزيمة علواني، فاتح المدرس، ليلى نصير، حمود شنتوت، ناصر نعسان آغا، د. علي خليل، جميل قاشا، عبد الرحمن موقت، طاهر بني، سعد يكن، وحيد مغاربة، عبدالقادر الأرناؤوط، محمود حماد، سامي برهان، غسان السباعي، فائق دحدوح، أسعد عرابي، نصير شورى.

وفي فناء مديرية الثقافة أقيمت ورشة فنية بإشراف «فتاة جديد» لصناعة الرقم الطينية على غرار الرقم التي احتوت أبجدية إيبلا.

دمشق ـ خطيب بدلة: