دائماً.. يرحل الأحبة تاركين في النفس لوعة الغياب وحرقة الفراق، مودعين أحلامهم وأيامهم وهواجسهم، ذكريات فرح تملأ أيامنا بعدهم بيقين ما بعده يقين، ننسى معها أننا راحلون في يوم مقبل لا محالة، فمهما طالت الأيام بنا سنترك نفس اللوعة والذكريات وحتى الصور التي تتلألأ بعيوننا مرآة أرواحنا.
نحاول أن نداني الحقيقة مرات ومرات، فنكتشف متأخرين دائماً أننا قصَر، عجَز، تغلبنا طموحاتنا، وهواجسنا التي تنتهي في لحظة تختصر كل ما أمضينا من عمر سعينا إليه.
ولأننا خلقنا فلا بد أن نبرر لوعة الغياب وأزلية الموت بعبارات وجمل تدور في وهم خلود آثارنا وأفعالنا، مع أننا ندرك في قرارة أنفسنا أننا نخترع هذا الوهم كي نبرر وجودنا على الأرض، كما أحب أن يوصف محمود درويش فلسفة الحياة والموت، مؤكداً أنه لم يعد يخشى الموت كما كان في الماضي، معلناً بلا تردد أنه يخشى موت قدرته على الكتابة وتذوق الحياة.
من دون أن يشعر بالغضاضة وهو يسترجع قصة موت معين بسيسو، الذي علَق على باب غرفته في الفندق عبارة «الرجاء عدم الإزعاج»، لهذا السبب لا يضع ـ صاحب الأعمال الشعرية التي هزت الوجدان ـ هذه العبارة على باب غرفته، كما لا يترك مفتاح باب بيته في القفل عندما ينام..؟!
مع أن شاعرنا الجاهلي العتيد لا يتفق مع محمود درويش في نظرته للحياة، إذ أعلن إنه قد سئم تكاليف الحياة بعد أن عاش سنين طويلة، مديدة، تجاوزت ثمانين حولاً، رأى فيها عجائب زمانه وغرائبه، لكنه للأسف لم يكحل عينيه الكليلتين، بمنظر الأطفال الأبرياء الذين يختطفهم الموت كل لحظة، ولم يدرك أبداً ما تعنيه غربة الأرواح والأوطان، في زمن أصبح فيه العالم قرية إعلامية تحتاج إلى من يستل كلماته من جديد، ويشعل فينا حرائق الوجد إلى كل ما هو أصيل وصادق.
ترى هل كان الراحل نجيب محفوظ يخشى أيضاً موت قدرته على الإبداع وقد عودنا دائماً على ذائقته الشفيفة وروحه المحببة للحياة، فبقي حتى مرضه الأخير وثيق الصلة بما يدور حوله، يسمع وينصت ويترك للأيام حكمتها، كما يترك للزمن أن يكشف مدى قدرته على أن يبقى حياً في ذاكرة من كتب لهم حكايات وأحداث وقصص تملأ الأنداء بقلق العابرين على الدوام..
يا الله.. كم يلزمنا من الوقت لندرك أننا ضعفاء، نبحث عن سراب يضيء عتمة أيامنا قبل ليالينا، فلم تعد تنفع لا الفوانيس ولا الفنارات التي أضاءت أرواحنا بنور ما بعده نور.. ربما لأننا فعلاً مسكونون دائماً بالأمل..
الذي جعل سعد الله ونوس يبدع منمنماته، كما جعل ممدوح عدوان في أيامه الأخيرة يتحسر على نصف عمره الأول الذي ضاع حتى وجد نصفه الأخير ليبدع ما أبدعه، في الوقت الذي يصرخ «حنا مينا» بنبرة لا تخلو من الاحتجاج كلما علم برحيل مبدع:
«لم كتب علَي أن أرى أحبائي يرحلون واحداً تلو الآخر، وقد تجاوزت الثمانين»®.؟! ربما هي حكمة القدر الذي لا يهتز لمآقينا المولَهة بالدمع كما الذكريات.. والأحبَة.