هناك في الطابق العاشر، في الغرفة المتعوذة بالأرق من الآتي، يصير الشاعر كهلا يعيد نسج طفولة تمضي به إلى جرار الذكريات المعتقة بالحيطة... يشربان معاً ماء دفاتر أوجاعنا.. صفحة صفحة.. جرعة جرعة..تفوح رائحة الماضي، ويسكر الحاضر خجلاً من انكساراته.. من يومياته ومنفاه وعزلته...

هنا في الطابق العاشر، نافذة لغرفة الوحشة، تطل من العتمة البيضاء على خرائط من حب وحزن وألق، وحدائق وحرائق وأبراج من فضة، وصحارى وأودية، ودروب من بدايات... من هنا يبدأ الشاعر عمر شبانة.. من نهاية الخليقة، من ثنايا البحر إلى الجبال الخرافية، من غابات الساحل السوري، من ايبلا إلى صيدا، ومن أرواد إلى أثينا إلى الخليج... وحين تصير الخرائط من غربة واغتراب وحسرة، تصير الأمكنة جغرافيا روح الشاعر، وروحنا....

من هنا يطل الشاعر، الطفل، الكهل، الذئب، على خرائب العمر، ويسطر حكايا جيل انشطر بين هزائم الأجداد والآباء، وانكسارات الأحلام، وضياع الآتي في ظلام ساطع يكتظ بالشهداء..:

هنا/ في ليله/ في الطابق العاشر/ ينام الذئب مكتهلاً/ ينام الكهل ذئبياً/ ينام ليل غربته/ ويشرب كأس منفاه/ ويرسم من مدينته/ شظايا ذكريات/ أو ظلاما ساطعاً يكتظ بالشهداء...

لا يرحل شبانة إلى ماضيه عبر ذكرياته وحسب، بل يأتي الماضي إليه في غرفته المبجلة بالحميمية، يصعد إليه في الطابق العاشر، الشاعر نفسه... يصعد إليه نساء من حقول الغور، من حلب، من قرطاجة وبيروت، من حيفا ويافا...:

نساء البدء والتكوين/ نساء الطفل إذ يمضي/ من الطين المراوغ/ يمتطي فرساً/ إلى الخمسين...

ويصعد إليه.. روائيون وشعراء، موسيقيون وصعاليك، كهان ودراويش... يحكي معهم عما قرأ في سطور الغيب من عالم الأسفار، من أوراق الريح، من مرايا الإبداع.. يحاورهم، ويقرأهم، وينعاهم... ويؤم بهم صلاة الغائب، ويؤبنهم بآيات من دفاتر الأوجاع وبقايا الصور... فيصير الشاعر صورة أخرى من الأرض اليباب:

هنا أنا/ صورة أخرى من «الأرض اليباب»/ هنا إيكو.. الذي رسم الكنيسة باسم وردته/ وهنري في «مدارات» الفضيحة.... هنا السياب/ يحكي قصة عن مومس عمياء/ يعرفها/ ويبكي غربة فوق الخليج..

ويأتيه الشهيد و أبن المخيم، فيعيد الشاعر الطفل لبعثرة ذاكرتنا الجمعية صمغها التاريخي، ويعيد للعشب الفلسطيني رائحة الحنين والزعتر..:

أتى العشب الفلسطيني/ من دير الغصون/ إلى قطنة في جبال القدس/ أتى الولد المقفى بالرماة/ أتى/ أتى أبن مخيم الوحدات/ وابن مخيم البقعة/ هنا اجتمعوا/ هنا/ في الطابق العاشر...

ويقلّب شبانة صفحات دفاتر أوجاعنا الأولى، حين كانت لمعاني الانتماء معان مغايرة... كإن كنت فلسطينيا، فلا يعني هذا أن تكون أبن مخيم، وان كنت شهيداً لا يعني أن تزف في عرس من أعراسه الجنائزية.. ويستحضر شبانة صديقه محمد القيسي في غرفته في الطابق العاشر... يدونه في صفحات جيلنا الأولى، ويزفه شهيداً في عرس لا يعرفه إلا أبن المخيم..:

وجاء محمد القيسي/ يقرأ في الوداعية: «لأيامي/ لدفقة زعتر الجبل»/ أتى من مهرجان جرش/ ليبكي مقتل الحنون/ أتى من موته/ ليقول غربته/ أتى ليقول: «كم سنموت كي نبقى معاً» وأتى ليعزف ناي أيام المخيم/ أو ليعزف نايه في شارع المنفى...

الأمكنة والحب

علاقة شبانة في هذا الديوان بالأمكنة معمدة بماء يقظته، ومرسومة بجغرافيا الروح... بوحه يتعدى خرائط التشكيل إلى جوهر التكوين، يرتبط المكان ببعد إنساني تمفصله الانتماءات لقضية ما، لفجيعة ما، لجيل ما، أو لزمن ما... ومن هنا يخرج شبانة إلى الكل إن شاء الكل، ضمن علاقة حب وشوق منحازتين لقدسية الوطن:

هي امرأة.. أم بلاد..؟/ تشردتُ في ظلها زمنا/ وتسرب منها إليّ/ زمان الندى والظلال/ وكنا/ وكان المدى واسعا/ في زمان الجبال..

عذوبة الشاعر شبانة، إضافة للغته وموسيقاه، تكمن أيضاً في عواطفه الجياشة تجاه أصدقاءه، وربطها العفوي بحنينه إلى الأمكنة، بما فيها من نخل وزيتون وليل وسجن وبيوت وشوارع، وزواريب روح...:

من يذكر الآن مركب كنعان/ من يذكر الأصدقاء الصعاليك/ في ليل عمّان/ نحاول أن نرسم الكون/ من حولنا/ في حقول الجنازات/ في سهر الورد...

وحتى لقاؤه مع الحبيبة يكون مع الأحاديث عن الفدائيين، و في ظلال الحصار حيث التقيا ووهج الهزيمة ينبض فيهما... وفي أعلى درجات الشوق والافتقاد.. يرتقي شبانة في عواطفه إلى بعد إنساني وفلسفي وصوفي، ويرتبط ذلك أيضا بالانتماء للمكان، ولكن بفهم يفتح بوابات الأسئلة على شواطئها..:

كم غيابك/ يا امرأة الريف/ يفتح باب الهشاشة/ كم أنت حاضرة/ في غيابك/ لا تغيب ابنة الريف/ في صمتها أغنيات/ وموالها من أساطير كنعان/ أو من جبال الخليل/ لا تغيب ابنة المستحيل...

وفي المقابل ثمة انكفاء على وجع الذات في غرفته في الطابق العاشر، تشعله مشاعر الوحدة والوحشة، وتؤججه هواجس الغربة والاغتراب..:

ما من صوت في الهاتف/ ما من أحد... ليس سوى جرس المصعد/ يوقظه من وحدته/ أو أصوات العمال/ على سطح البرج الصاعد/ كالقبر هنا..

تفاؤل وتمرد

مع كل ما سبق لا يبدو - وفي أغلب قصائده - عمر شبانة محبطاً، فحين كان يطل من الخليج على نهايات الخليقة، وعلى خرائب العمر، كان يطل على صندوقه الأسود.. وحين جلست أعوام الكهولة تنسج ذكريات العمر للغد المقتول والقاتل، جلس الشاعر وصاح متمرداً متفائلاً:

أنا الشاعر/ هنا في الطابق العاشر/ أنا الفجأة/ أنا الطير الذي سيرى/ من الطوفان آخره/ ويأتي حاملاً غصن الخلاص...

ولما كان مع حبيبته ووهج الهزيمة ينبض فيهما، كانا يعيدان إلى القلب نبض الأمل.. وكذلك في خضم الشعور بالوحدة يستعيد شبانة بيتاً للمتنبي يقول فيه:

واقف تحت أخمصي قدر نفسي

واقف تحت أخمصيّ الأنام

ويبني شبانة على هذا البيت أسس تفاؤله، متكئاً على جوهر الخليقة، على الأنثى الحب والمحبة..:

وحيدا على قمة في.. البلاد/ على قمة في أقاصي الزمن/ وحيداً/ لكن أحلامه ستصافح بدء الخليقة/ حيث الأنوثة آلهة الكون/ والكون أنثى...

ما يميز هذا الديوان

إن ما يميز هذا الديوان هو شغل شبانة على تداخل شخصية الشاعر مع الطفل مع الكهل مع الذئب.. في أزمنة متداخلة، توحي بأن الشاعر دوّن تراكمات «ربع قرن» ـ عمره النفسي والتراكمي - خلال ساعات وأيام.. وعبر موجات متناسلة مع ماء الخليج، سافر إلى أمكنة يحتاج سبر خرائطها لسنين ضوئية، مما أضفى على الديوان خصوصية معينة...

ورغم تكرار الكثير من المسميات عن مدن وأمكنة، كتكراره للطابق العاشر، لم يشكل ذلك لازمة ما، لأن للمكان دلالة مغايرة في كل رؤيا من رؤيا الشاعر... ولجغرافياه مقومات جديدة، ضمن عفوية مدروسة، وخيوط متتابعة لشخصياته المتداخلة، وحركة تلك الشخصيات وبوحها في تداع أخّاذ، مما منح شغله تجريبية طازجة...

و لا بد من الإشارة إلى رهافة الحس التي يتعامل بها شبانة مع لغته وتراتب موسيقاه الداخلية والخارجية، وعلاقته الخاصة بأوزانه، وإن كانت في أغلبها تنتمي لأجواء واحدة لا تتناغم أحيانا مع رؤيا القصيدة أو المقطع، أو أسيرة حالة نفسية ما، مع أن تلك الحالة - أي وحدة الأجواء والدفق الشعوري - من مميزات الديوان، وخصوصيته، وربما تشي هذه الخصوصية بوجود نوع من الذاتية عند الشاعر، لكن شبانة بتصفحه لبعض ذكرياته .

- والديوان يؤكد كثافتها - يتصفح أوراقاً من دفتر أوجاع جيل الانكسارات، جيله الذي عاش صدى كل المآسي والمجازر والنكسات والنكبات وعايشها.. جيله المرعوب من الآتي موشوما بما مضى... جيله الذي أتاه حديث الجنود وهم يخرجون الفدائي بالطائرات... جيله الذي تشرد في العواصم حاملا وهما جميلا في حقائبه، وهما اسمه «الثورة» وضل وضاع، وضاع وضل، حتى ضاقت الدنيا بقامته، وصار فضاؤه حفرة، هنا في الطابق العاشر...

محمود أبو حامد