حينما سقطت الإمبراطورية العباسية، ودخل هولاكو التتري بغداد، يروى أن ماء دجلة المائل للاحمرار قد تحوّل إلى اللون الأسود لكثرة ما رمى جنود التتار من الكتب فيه، كانت عامرة بها مكتبات بغداد.
هذه الصورة ما زالت مرسومة في ذهني، وقد برزت وتأطرت عند احتلال بغداد الأخير، والغازي الجديد بدل أن يرمي الكتب في دجلة، أحرقها، وعبثت اللصوص بآثار عمرها تجاوز سبعة آلاف عام.
الصورة ذاتها.. مع الفارق في السيناريو..
في الصورة الأولى عاد العراقيون إلى حاضرة الثقافة، وأعادوا لبغداد بعدها الثقافي، ودورها الفكري، وموقعها الفني، عادت عاصمة دائمة للثقافة، والفن، والأدب، بل والحضارة.
في الاحتلال الأخير.. لا أرى لها دوراً.. وما إن بدأت لملمة رجالها، وما تبقى لها من بُنى، سرعان ما غرقت بطوفان الدم، واغتيال المعرفة، والمبدعين، من مفكرين، ومثقفين، وفنانين، لا لتصفية أجسادهم فحسب، بل لوئد عقولهم، لذا ارتفعت نسبة الأمية، التي هي الأساس في ترسيخ الظلال، من نعرات طائفية، وصراعات عرقية، وانتماءات عشائرية، وتصفيات فكرية، وتحجيم دور التعليم، إلى تصنيفات مختلفة الأنواع كلها تدخل في سيادة الظلام، وانتشار ثقافة الجهل.
وفي رأيي إن وزارة الثقافة العراقية المعنية بأن تكون الخندق الأول في مثل هذه الظروف قد حيّدت وحُجم دورها، بل غُيبت عن الساحة الثقافية برمتها، فمنذ أن تشكلت الحكومات الجديدة التي تعاقبت تحت تسميات مختلفة ووزارة الثقافة العراقية في سُبات، وكأنها غير موجودة.
لست هنا بموضع النقد الذي أوجهه للوزارة، بقدر ما أشير إلى أن المعرفة الحالية الأساسية مع قوى الظلام والجهل تحت أي مسمى هي مواجهة هذه القوى بالثقافة التأسيسية العريقة التي تمتد آلاف السنين، وهي ليست ثقافة هشة، إنما راسخة الجذور والبنيان، تتصدع قليلاً، تفقد بعضاً من توازنها، ولكنها حكة متفاعلة قادرة على إعادة حركتها وتتفاعل بجدارة متى ما وجدت المحرك، والقاعدة الجديدة التي تنطلق منها.
لذا أجد أن دوراً رئيسياً ومهماً ينبغي أن تطلع به وزارة الثقافة العراقية، ولعل الخطوة الأولى في لملمة أجنحتها، وإعادة كوادرها التي تشتت في منافي الكون، والوقوف بصلابة أمام كل محاولات التهميش، بل ومحاربة الرجعية بأشكالها التي اتخذتها واحتلت مواقع كان ينبغي ألا يُسمح لها باحتلالها.
إضافة إلى مهامها الأخرى في إعادة الآثار المسروقة، وتأهيل المكتبات، وتنشيط المسارح، والفرق الموسيقية، والغنائية، وإعادة بسط نفوذها على المناطق التي انحسرت منها، خاصة تلك المدن التي كانت معروفة بأنشطتها الثقافية ـ الأدبية ـ الفنية، والتي ساهمت في إنتاج عدد كبير من المبدعين، وقد تحولت إلى بؤر طائفية، وعشائرية، ورجعية.
والوزارة وحدها لا تستطيع أن تنتج في مسعاها دون وقوف جمهرة المثقفين والمبدعين العراقيين في صفها وخندقها، فالمصير والهدف واحد مشترك. والتنصل من الواجب تحت أي مبرر غير مقبول. لذا أوجه ندائي لكل مبدع عراقي أن يفعل ما يستطيع أن يفعله لطرد أشباح الظلام تحت أي مسمى كانوا.
أنا أدرك أن المهمة صعبة. لكنها ليست مستحيلة، والبداية مع الوزارة ذاتها. إذ لا بد من إعادة صياغة بنيتها بما يتناسب والمرحلة الحالية، بمعنى أن نهتم بها ونجعلها الخندق الأول للأمن، إذ لا أمن ولا أمان بدون ثقافة مؤسسة وجذرية وقادرة على إثبات حضورها، والمواجهة.
إن تاريخ العراق المعاصر يشهد أن للمثقف العراقي دوراً حاسماً وطليعياً كان أحد الأسباب المهمة في إعادة موقع العراق الثقافي بين الدول الحضارية.