«إنها خسارة لا تعوض في عالم كرة المضرب»، هذه هي العبارة التي أجمع عليها أبرز لاعبي التنس في العالم المخضرمين والصاعدين على حد سواء تعليقا على وضع النجم الاميركي اندريه أغاسي حدا لمسيرته الطويلة في ملاعب الكرة الصفراء، إثر مغامرة اخيرة على ارضه وبين جماهيره في بطولة الولايات المتحدة المفتوحة، آخر البطولات الاربع الكبرى شهدت خسارته أول من أمس أمام الالماني بنيامين بيكر 5-7 و7-6 (7-4) و4-6 و5-7.
وبدا واضحا التقدير الكبير والتأثير اللامتناهي الذي تركه اغاسي في نفوس محبي اللعبة وحتى منافسيه الذين اسفوا على وضعه المضرب جانبا بعد عقدين من التألق والابداع اعطى خلالهما امثولة للرياضيين حول ماهية النجومية ومعرفة الحفاظ على القمة
واعادة بلوغها بعزيمة واصرار، وابرز مثال على هذا الامر استعادته الرقم 1 (احتفظ به ثلاثين اسبوعا عام 1995) على لائحة تصنيف اللاعبين المحترفين عام 1999 اثر تقهقره بفعل المشاكل الشخصية التي لاحقته الى المركز 141 عام 1997.
في ظاهرة غير مسبوقة، كان تركيز منافسي اغاسي في محطته الاخيرة على نتيجة القرعة، في موازاة امنياتهم برؤيته يخوض المزيد من المباريات، وكان التصريح الابرز للاعب الابرز في العالم حالياالسويسري روجيه فيدرر الذي قال أود بشدة رؤيته يفوز بمباراة تلو الاخرى. لقد توجه تركيز غالبية اللاعبين نحو عملية سحب القرعة متسائلين عن هوية منافس أغاسي.
ولم يخف فيدرر الذي كان يوما من متابعي الاميركي عبر شاشات التلفزة قبل ان يصبح احد منافسيه، حماسته في اعادة أغاسي تسطير انجاز العام الماضي حين بلغ المباراة النهائية للبطولة الاميركية وخسرها امام السويسري نفسه. من ملاعب «فلاشينغ ميدوز» الاميركية الى ملاعب «رولان غاروس» الفرنسية،
ستفتقد الجماهير اكثر لاعب بادلها الاحترام، إذ لا يمكن أحدا نسيان انحناءاته تقديرا وشكرا للمشجعين في حالتي الفوز والخسارة، حتى ظهر أغاسي في عيون كثيرين «الجنتلمان» الاكثر شعبية بين اقرانه. وتبدو المفارقة ان الظهور الاول لاغاسي لم يكن شبيها على الاطلاق بطلته الاخيرة،
إاذ معلوم عنه دخوله باب «لعبة النبلاء» بمظهر مختلف تماما عن اللاعبين الآخرين وبعيد كل البعد عن التقاليد المتبعة، حتى اطلق عليه لقب الثائر أو المتمرد. ولفت أغاسي في بداياته الانظار اليه عبر مظهره الخارجي الشبيه بنجوم موسيقى الروك المعروفة، اذ تميز في شكل غريب وغير اعتيادي بشعره الطويل والملون ولحيته غير المجذبة وقمصانه المتعددة الالوان، الى وضعه الخواتم في يديه والاقراط في اذنيه والقلادات الذهبية في عنقه.
ويقول مواطنه الشهير جون ماكنرو لعبت معه عندما كان في السادسة عشرة من عمره حيث شعرت بطاقة هائلة لديه. لم يكن يوما مثقفا بالمعنى الحرفي للكلمة اي خريج احدى ارقى الجامعات، الا انه لديه ذكاء فطريا جعله يعرف كيفية توجيه مسيرته نحو النجاح.
ويردد ماكنرو دائما انه يجب ايجاد الطريقة الفضلى لابقاء اغاسي ضمن عالم اللعبة، مشددا على ان الاخير يتمتع بروح قتالية تطبق المثل القائل الولد سر ابيه في اشارة الى والد اغاسي مايك الذي احترف الملاكمة ومثل ايران في الالعاب الاولمبية عامي 1948 و1952 قبل هجرته الى الولايات المتحدة (يتحدر اغاسي من جذور ارمنية - ايرانية).
وربما تأتي تصريحات ماكنرو من معرفته مدى الفراغ الذي سيخلفه اعتزال اغاسي على الصعيد الجماهيري للعبة في الولايات المتحدة وغيرها من البلدان التي تستضيف الدورات الدولية، وهذا الامر اكده رئيس رابطة اللاعبين المحترفين اتيان دو فيلييه الذي اعتبر ان اغاسي سيترك اثرا سلبيا على اللعبة يشبه الحالة التي عاشها الدوري الاميركي للمحترفين في كرة السلة عند اعتزال النجم الاسطوري مايكل جوردان.
من هنا، ليس مستغربا الحضور الكثيف لمباريات اغاسي الاخيرة، اضافة الى تزيين جدران ملعب آرثر ايش بصور ضخمة تحمل اجمل اللحظات التي قضاها على الملعب عينه وخصوصا تتويجه باللقب عام 1994، فهذا الرجل المثير للجدل والاعجاب في آن معا كان اول من تسلم مشعل نجاح التنس الاميركي من ماكنرو وجيمي كونورز، ليشكل مع بيت سامبراس وجيم كوريير ومايكل تشانغ ما عرف بـ الرباعي الرائع.
ولا يخفى أحدا أن هذا الرباعي الذي اعتبر لفترة طويلة الجيل للذهبي للولايات المتحدة، سرعان ما فرض سطوته من دون التأثر بالفراغ الذي خلفه توقف ماكنرو وكونورز عن اللعب، إذ دخلت المواجهات بين سامبراس واغاسي على سبيل المثال موسوعة المباريات الكلاسيكية الرفيعة المستوى، على غرار موقعتيهما في فلاشينغ ميدوز عامي 2001 و2002.
الا انه على الرغم من اعتبار اغاسي انه عاش ذروة الحماسة في مباراته والاسترالي باتريك رافتر في الدور نصف النهائي لبطولة ويمبلدون الانجليزية عام 2000، لا يمكن نسيان ان المباراة الاعظم في تاريخه كانت مع الروسي اندريه ميدفيديف في نهائي بطولة فرنسا المفتوحة على ملاعب رولان غاروس عام 1999،
اذ فاز فيها بعد تأخره بمجموعتين ليكمل مجموعته من الالقاب الكبرى، ويدخل نادي الاساطير الى جانب سامبراس وماكنرو والسويدي بيورن بورغ والتشيكي ايفان ليندل، علما انه ظفر ايضا بالميدالية الذهبية في دورة الالعاب الاولمبية في اتلانتا عام 1996.
ويعد اغاسي (36 عاما) آخر ابناء جيله المعتزلين، اذ كافح بديناميكيته المعهودة للبقاء فترة اطول في الملاعب باحثا عن ينبوع الشباب للصمود ومجاراة خصومه الذين يتمتعون بالحيوية، الا ان النهاية لم تكن ابدا على طريقة افلام هوليوود على عكس غالبية مسيرته الناجحة،
اذ اجبر على الانسحاب من دورات عدة في الفترة الاخيرة بفعل اصابة في الظهر جعلته في متناول اي من اللاعبين، حتى تقهقر الى المركز 37 على لائحة التصنيف، وهو الادنى بالنسبة له في الاعوام الثمانية الماضية.
