مع أنه ما زال حتى الآن ثمة من يحاول إثبات أن للرواية أصولا عربية، أدرك محفوظ من بداياته أنها جنس غربي دخيل على الأدب العربي، وأعرب عن انبهاره به، معتبراً أن الشكل الغربي هو الشكل العالمي للرواية، ووقف ضد الخروج عنه..

وفيما بعد، ومع اقتراب تجربته من النضوج، أكد أن على الجيل الذي يلي جيله، والذي قد يصل بالأدب العربي إلى العالمية، أن يكون أكثر إخلاصاً إلى الذات، لأنه لا يجب أن يكون الموضوع فقط محلياً، ولكن الشكل أيضاً، ويوم يتم تحقيق ذلك، يمكن القول عند إذن إننا قدمنا أدباً عربياً صحيحاً إلى العالم.

رحل الروائي الكبير نجيب محفوظ، تاركاً إرثا روائياً، شكل، ومازال يشكل علامة فارقة في الأدب العربي المعاصر، متكئ في أعماله على ملامسة نبض الشارع وشخوصه، موظفاً التراث، معمقاً المحلية بمرجعيات فكرية وفلسفية، تصبو بتلك الأعمال إلى قضايا تهم الإنسان والوجود، وبالتالي تدخل بوابات الكونية .

رغم هذا الكم الكبير من الأعمال، وهذا العمل الدؤوب، والجهد الهائل الذي بذله محفوظ.. ألا يحق لنا أن نتساءل: هل ترك لنا محفوظ رواية عربية خالصة ؟

يقول صاحب نوبل عن تجربته التي من ضمنها « ليالي ألف ليلة، رحلة ابن فطومة، وحديث الصباح والمساء» إنه رجع إلى ألف ليلة وليلة بقراءة جديدة، وولد منها نصاً روائياً، مزيلا الحاجز بين الحكايات الإطارية، والحكايات المضمنة، واشتغل ذلك ليطرق قضية الحكمة والسلطان في مصر، وفي عهد أنور السادات بالذات، ويبلور في تلك الرواية رؤية فنية جديدة، ورؤية ايديولوجية عن نشر السعادة والعدل في الوطن العربي...

وهي ليست إعادة لحكايات ألف ليلة وليلة، وليست كتابة منقطعة، وإنما هو توليد رواية، قيمتها وثراؤها في أن القارئ الذي قرأ ألف ليلة وليلة، يدرك التحول والتغير والدلالات الجديدة التي ولدتها.

ربما أمكننا القول بعد هذه التجربة إن محفوظ حاول أن يؤسس شكلا عربياً للرواية من جهة، ورد على التشكيك حول مواقفه السياسية وعلاقته بالسلطة من جهة، لكن يظل السؤال الأكبر بعد رحيله عن سر استمراره الدائم في الكتابة، وتألقه عالمياً وعربيا، رغم أن هناك محاولات روائية مبكرة لكتاب مثل سليم البستاني وفرانسيس مراش، أو جورجي زيدان، وأحمد شدياق ومحمد المويلحي...؟

mah7z@hotmail.com