لا يخفي الأديب الإماراتي «سيف المري» سعادته وهو يقدم مجموعته القصصية الأولى التي اختار لها عنوان «رماد مشتعل»، بعد أن حرص على انتقائها بعناية من خبر تقلبات النفس الإنسانية وأهوائها التي تتأرجح بين الخير والشر، «الثنائية» الأشبه بطرفي مغناطيس متشابهين، متنافرين، كخطين متوازيين لا يلتقيان..

مقترباً من تقنية ما اصطلح على تسميته «بالقصة القصيرة جداً»، التي تعتمد التكثيف والإيجاز والتركيز على الفكرة الأساسية، وإن بدا واضحاً الجانب الساخر في بعض قصص المجموعة التي اقتربت من 40 قصة قصيرة غلب عليها الاهتمام بالقضايا الاجتماعية والإنسانية المحلية الصالحة للتعميم، لما تتضمنه من هموم وحكايا يعترف «سيف المري» في بعضها أنها قصص حقيقية رواها صديق عن شخص يعرفه في إحدى الدول العربية.

أو أنها قصص رمزية تحمل دلالات سرعان ما يكتشف القارئ بساطتها وعمق مغزاها في آن معاً، وهو الأسلوب الذي اتبعه القاص الإماراتي وجاء ناجحاً لدرجة كبيرة، وإن عانت بعض القصص من الوعظ والمباشرة واتجهت أحياناً نحو الحكائية، من دون أن تفقد روح النص والسخرية الممزوجة بالحكمة.

نماذج متنوعة

في قصة «أحمد» أولى قصص المجموعة نطالع رجلاً «لم يكن من عادته أن يزور أحداً، خاصة إذا كان ذلك المزار نزيل أحد المستشفيات، فقد كان شديد الطيرة من الأمراض»، لكن سير الأحداث جعلته يلفظ أنفاسه بمرض يقتل الدجاج، وبدل أن يتنفس الصعداء مع الثروة الهابطة عليه بعد زيارته لرجل قدم له حصة والده من شراكة قديمة، فخرج يعانق كل من يلاقيه في ردهة المستشفى، فتنقلب الفرحة الكبرى غير المتوقعة، إلى كارثة كبرى غير متوقعة.

في حين تقترب قصة «أكواب وفناجين»، من محاكمة عقلية لمن أعماه الطمع واللهاث خلف الأرباح الطائلة حتى توسعت الأنشطة التي سرعان ما ذهبت أدراج الرياح مع مطرقة القاضي.. وهنا يتساءل «المري» لماذا يتم تزويد القضاة بمطرقة، وما العبرة من ذلك..؟! هل يريدون أن يقولوا للمتخاصمين إنها رمز لتحطيم شخص ما قابع في قفص الاتهام، ربما يكون بريئاً، فالمطرقة أداة تحطيم وتكسير ليس إلا.

لينتقل بعد ذلك لتناول قضايا التربية والتنشئة، مقدماً نماذج متنوعة كما في قصة «الحق على الطليان» حيث الأب الذي ربى ولده ليكون من دون شخصية بعد أن خطط حياته خطوة خطوة، فكانت نهاية الأب نزيلاً في دار المسنين، والابن لعبة في يد امرأة مسيطرة، أو متطرقاً إلى قضية الهوية والقيم والعمالة الوافدة في قصة «تاغالو» وما تفعله عشرون عاماً بمواطن يتحدث اللغتين الفلبينية والعربية، بعد أن تشرب بأفكار المربَية إلى درجة أوصلته إلى حافة الانسلاخ من هويته العربية وقيمه الإسلامية.

كذلك «سوء فهم الأبوة» والتي جعلت نهاية الأب صاحب لغة الأوامر وعضلات «مصارعي السومو»، عبر «لكمة» يسددها الابن الثائر إلى وجه أبيه الذي لم يحسن إيجاد جو من المحبة والألفة في بيته، أو ربما أفرط في تدليل أبنائه وتلبية جميع طلباتهم، مما دفع الأبناء إلى عتمة السجون والأمكنة المظلمة والموغلة في الوحشة، صارخين:

«اقبضوا على المجرم الحقيقي»، مؤكداً أن العبرة بالخواتيم، فالخاتمة منطقية تماماً، متماشية مع المقدمات، من دون أن يغفل عن توريط القارئ وإشراكه في لعبته الفنية والسردية، عندما يقدم قصة «عقد وشرابيك» متناولاً بشفافية عالية مسألة التربية النفسية المتوازنة بعيداً عن إهمال الأم وتذبذب الأب، ومشاعر الإحباط والشعور بالظلم.

جرأة ملفتة

وما يحسب للأديب الإماراتي جرأته غير المسبوقة في تعرية الكثير من النماذج الرجالية التي ابتعدت عن الجادة السليمة وتعاملت مع المرأة «أم العيال» بكثير من الأنانية والنرجسية، وهذا أمر يحسب «لسيف المري» كقاص نزيه يتحدث عن الزوج السادس، العاطل عن العمل بمحض إرادته، والمؤثر لحياة «الانبساط» ومجالسة أمثاله من صائدي الفرص، فينتهي به الطمع على كرسي متحرك لجسد توقف عن الحركة.

أو يتعرض لانتقام «أم العيال» التي تتماسك وتنتظر حتى يجلس الزوج في الكوشة، لتعمد خلسة إلى شمعدان كبير مشتعل، موجود في ركن جانبي في قاعة الحفل، لتشعل معركة من نوع خاص..

أو يتعرض لحقنة قاتلة من زوجة على فراش المرض يعترف لها الزوج بخياناته المتكررة، بينما يرصد القاص بحرفية عالية «رحلة بدلة» في سيارة «اللاندري» التابعة لأحد فنادق الخمسة نجوم، تؤدي إلى الكشف وبضربة حظ وأسلوب مقنع عن سلوك مشين ينتهجه الزوج، في حين ينتهي المطاف بدبلوماسي صاحب الوسامة السمراء، القادم من بلد حار، إلى الزواج من امرأة أجنبية باردة تدفعه غيرته إلى الشك في سلوكها إلى أقصى درجات الثورة، حيث يذوب التمثال الثلجي في لحظة من لحظات هياجه ليحترق معه.

ليبلغ مع قصة «رماد مشتعل» ذروة الألم الذي تعانيه المرأة التي جاءت لكفالة ابنها الوحيد في قضية أخلاقية، تكتشف فيها أن والد الفتاة هو نفس الرجل الذي غرر بها ذات يوم، وأنجبت منه هذا الابن، فما كان منها بعد أن هرب الرجل ثانية ولكن هذه المرة من ابنته وابنه، إلا أن تشرح للضابط الأمر، ليقفل المحضر الذي لم تكتب جميع تفاصيله، وتموت بعد أيام.

بينما تتكرر الحكاية بأسلوب آخر كما في قصة «قد يحدث» بعد سقوط الزوج في مستنقع الحب بعد التاسعة والأربعين، وبعد اعترافه في لحظة من لحظات الاعتراف بما عزم عليه، فلا تنهض «أم العيال» من النوم بعد الآن، ويحدد موعد الزفاف الجديد في موعد قريب، فالحياة يجب أن تستمر، تماماً كما هم الناس الصغار الذين لا يهمهم أحد، ولا يعبأ بهم أحد إلا من ابتلي بحبهم أو قرابتهم.

ولكي لا يقع في مطب التحيز لطرف دون آخر يورد بعض النماذج الرجالية الإيجابية نوعاً ما، كما في قصة «رومانسية» وحكاية البائع البسيط الذي رفض عرضاً مغرياً لبيع ساعته التي أهدتها زوجته له، منصرفاً غير نادم على موقفه ووفائه لحرمه المصون وهديتها الغالية والتي لا تقدر بثمن، فتكون النتيجة أن تلقي الخاتم وتحزم حقيبتها لتلحق بأهلها وتطالبهم بأن يطلقوها من هذا الزوج الرومانسي المجنون.

في الوقت الذي يصر فيه «زائر القبور» ولمدة 20 عاماً على زيارة «حبه الأول» الذي يعيش على ذكراه، قاطعاً وعداً على نفسه أن يزور القبر كلما أحسَ في قلبه اشتياقاً جامحاً، في حين تطرح قصة «كان» إشكالية رجل عصامي اعتمد الصدق في كل شيء، لكنه قليل الخبرة في النساء، مما أوقعه بامرأة من نوع «كوبرا سامة» تعمدت جرح كبريائه ومشاعره أمام الناس، لتنتهي نهاية مأساوية على يد هذا الزوج الذي خرج من سجنه الاحترازي ليعيش على جرح لا يندمل.

لكن ماذا يحدث عندما يلتقي رجل وامرأة متوافقان على «اللف والدوران» إلى درجة تبعث على الذهول.. سؤال يجيب عنه القاص الإماراتي ببساطة، تتماهى مع حرصه الواضح على السخرية من محدثي النعمة، وأصحاب البطولات الكاذبة، وذريعة «الغاية تبرر الوسيلة»، مؤكداً أنه قد تمر الأعوام الطوال، قد يكتشف الناس ذات يوم الحقيقة، وقد تظل لغزاً عصياً، لتكبر وتصل إلى حجم قارة أو أكبر، حيث تتكرر هذه النماذج عبر الأزمنة والأمكنة بأشكال وصور يصعب تخيلها..

لكن مهما يكن.. يجب الاعتراف أن «سيف المري» أشعل فينا نيران الأسئلة، من دون أن يذر الرماد في العيون، بل أبقاه مشتعلاً في أوار أرواحنا التواقة إلى الأدب والفن المستمد من الواقع، حتى وإن أصر الأديب الإماراتي المرهف على تصنيف قصصه تحت باب «القصص الواقعية الافتراضية».

أنس الأموي: