ما يعيش مبنياً على افتراض ما، سابق عليه أو لاحق، يدخل لعبة اللا منطق، حيث ترابية أي شيء تشكل صورة جاذبة لتثبيت وضعيات طموحة، لأجل تحسين شروط الحياة، هذا إن لم نقل تحسين شروط الوجود ككل، ومن هنا يكون العبث هو الضرورة المنطقية لرفض أية تراتبية كانت، كي لا تنأسر الذات برموزها اللغوية.
بهذه المقولة الذهنية وبحساسية شعرية تقترب من معطياتها ومآربها وإرادتها التعبيرية الغنية بالمشاهد والصور والرؤى الحالمة، تنطلق نصوص محمد المزروعي على شكل نتوءات وعناصر وتفاصيل، اجتمعت كلها لتكوين نص واحد، ينطلق بشغف من حطب المخيلة المتوقد وصولاً إلى ناصية مكنوناته القصية، ملامساً الضفة التي يبصر فيها نموذجه الإنساني الموزع بين غوايات الحروف وحدس المعاني.
مناشداً الوثوب على ما يتحسس به وما يمنحه ولكلماته المبتلة بالمغايرة في روحية الأشياء وباللاوعي الممكن والخاص ومدى تشكله وانبعاثه من رميم الحياة وجمر الكتابة.
وكأن هاجساً لا شعورياً قد فاض من مخيلة نازفة، رسمت بدقة عواطفها وانصاراتها ومكابداتها في شكل نص شعري طويل من مقاطع وأوراق تتراوح في بنية عطائها الشعري ومنجزها الكتابي على جغرافيا الحبر، بدءاً من سرية البياض المنتشر على أوراق المجموعة، وصولاً إلى آخر غنائم النص النثري الذي لربما اصطاد الهدوء أخيراً.
من خلال تشظيات لها حيزها الوجودي وانفعالاتها المعرفية التي تغلفها عاطفة جاذبة لبنية الشك والارتياب، الفناء والولادة، العدم والبعث ثم الحب وما وراء الحب، من حيث حميمية المشاعر المتآكلة ومدى غليانها في مخيلة الشاعر التي تتوقد في أشد الأماكن ظلمة وترقباً وانحسارا، لافراز متطلباتها وغاياتها ونظامها الفوضوي على سطح القصيدة، بدءاً من إكسير اللغة الذي منح أرواح المعاني صورتها الحسية والجسدية، أشبه ما يكون بالخيال المتصل عن طريق الحلم، لإنتاج نصوص تستضيء بالحدس والهم والانبعاث والفناء.
« أخاف أن أنتهي
بفم ولسان لا يعرفان عني أي شيء
أنا الذي لا يرغب
حتى في وضع صورته مع الشمس
ولا مع الجانب الآخر لأي شيء
روحي تائهة
وحدها تائهة
ترسم على السرير جسمي
مشغولاً بفنائه»
أن المتتبع لمثل هذه النصوص الطويلة قد يجد نفسه أمام مفاتيح عديدة لفك أسرارها ومغاليقها المتشعبة، وما تدلل عليه مثل هذه النصوص الغارقة في التأمل والبحث والتأويل، رغم كون الشاعر قد وضع عنواناً شديد الالتصاق بفحوى نصه الشعري.
ومن خلاله يمكن له ان يقود القاريء وأن يملي عليه دلالات النص بكل عناصره المتاحة وماهيته الحاضرة من ورق المخيلة البعيد، أو تلك المقولة التي صاغها الشاعر أوكتافيو باث قائلاً ( إن الاتزان الذي نفتخر به، ليس قناعاً مُعرّضاً دائماً لخطر أن يُنزع عبر انفجار مفاجيء لخصوصياتنا ).
والتي بوبها الشاعر محمد المزروعي في مقدمة مجموعته الشعرية، وكلها لتؤدي إلى مضمار النص المرسوم، حدساً عاماً للقصيدة أو كشفاً واضحاً لجمرة المعنى الذي ينشده الشاعر، حيث التأويل المهيمن على هاجس القصيدة وحركتها من خلال تمزق العاطفة وتلك اللغة المسبوقة بالتوغل والتطواف والألم، فوضى من الأحاسيس والمشاعر والعذابات في توترها الإنساني وفي صياغاتها التعبيرية التي تلامس تفاصيل ذلك الحلم الكبير الراهن وتفاصيل أحداثه المخدرة في مسافات العشق والتدفق والعذاب.
« حروب
وافتضاح عينيك أمام كل رجل بنفس الغنائم
نفس الدموع التي
تُعينُ سواد السماء عليّ
ولو يزل للفشل ندى يؤويه
فهذا ملاك لم تقم له الأجنحة
وهذا انشغال القلب بالجنة تحت فستانك
يجر لساني وراء انتهاء قاصر عن الانحناء»
فنجد الإنسان الموزع في طقوس ( أرق النموذج ) عاطفاً على جسده أو هياكل روحه المنثورة فوق ضفاف النص، في سرد يقترب أكثر من تلك الدقائق الصغيرة المحكمة، معنوناً الرحيل والموت والكشف، مأزقاً حقيقياً للخروج من لعنة الحزن المعلن أو الدخول إليه من جديد، مجرداً من توق نفسه ومن الفضائل، تائهاً في نوافذ سعادته المرتقبة ، قريباً من الكلمات التي يبذرها في نصه المأزوم بالتحرر والتجريد والمخاطرة، باحثاً عن بوتقة الحدائق في عدمية الكلمات وفنائها واستحضاراتها، عاجزاً عن اللحاق بمغفرة ما، تؤسس له ممراً إنسانياً أو ملاذاً حقيقياً لاحتضان بذور تجلياته القصية في هذيان العيش والتجذر والجنوح..
قاسم سعودي
