أشارت عقارب الساعة في معصمي إلى الرابعة بعد العصر بتوقيت القاهرة مؤكدة انه حان موعد لقائي بالكاتب الكبير نجيب محفوظ جلست في بهو فندق أنيق يطل على النيل مباشرة كان من المقرر اللقاء به. مللت الانتظار وانتابني شعور بأنني تلميذة جاءت لتقابل أستاذاً كبيراً لترمي بين يديه بعض كتبها التي لم تتجاوز أصابع اليد وباقة زهور حمراء جميلة .
لم أضق بأنني تلميذة ولم أحاول أن اهرب من هذا الشعور على العكس، لكن الانتظار جعلني اشعر بالضيق رغم فسحة بهو الفندق، خرجت وقطعت الشارع الذي صفت على جوانبه أزهار أجمل من باقتي وتابعت قاصدة النيل ريثما يحضر كاتبنا واستأذنا الكبير.
لا أدري كيف ولماذا استدرت فجأة خلفي تجاه الفندق الذي خلفته ورائي لأرى باللحظة ذاتها وجه كاتبنا يطل من نافذة سيارة ذات لون احمر داكن كان جالسا في المقعد الخلفي على الجانب الأيمن للسائق وكان مرتديا قميصا صيفيا مائلا إلى اللون الرمادي ينظر من خلال نافذة السيارة النصف مفتوحة إلى الناس والشارع والنيل بينما كان سائقه يحاول أن يتمهل الوصول إلى الفندق كي لا يحجب الرؤية عن الأستاذ محفوظ .
تسمرت في مكاني متأملة وجهه غير مصدقة رؤيته تابعت نظراته الهادئة الساكنة التي كانت وكأنها قد سكن بهما النيل ذاته. لا ادري كيف وصلت إليه حيث جمعتنا غرفة فسيحة معدة سلفا لاستقبال ضيوفه تناول باقة الأزهار من يدي بهدوء بالغ بعد أن قدمتها له فشكرني بهمس خفيف جلست قريبة منه قليلا كان يفصل بيني وبينه شيء ضخم اسمه الزمن وأعوام متراكمة يكبرني بها وأكوام من مؤلفات سبقني بتأليفها حتى قبل ولادتي .
صافحني بحرارة إنسان وابتسم ابتسامة الأديب مرحبا قائلا أهلا بك في مصر اقتربت أكثر منه كي يسمع إجابتي بعد أن نبهت على انه لن يسمعني إلا إذا اقتربت من أذنه تماما صعب علي الأمر فجلس بيننا الدكتور فتحي هاشم ليساعده بنقل إجابتي فسألني هل صحيح أنني اكتب وأنني تلميذة الأديب السوري حنا مينه وأنني قادمة من الإمارات كما اخبروه سلفا؟
أجبته : بنعم مؤكدة ذلك فسألني عما اكتب وما هي المواضيع التي أتناولها في كتاباتي فأجبت أنني اكتب الرواية فسرعان ما قال : إذن أنت زميلة لي؟
زميلة؟ كيف أكون زميلة هذا العملاق فما كان مني إلا وسارعت وأهديته كتبي التي حملتها خصيصا له ومعها مخطوط لعمل جديد ، مددت إليه بكتاب من مؤلفاته ليوقع عليه فتمهل .
كان على الدكتور فتحي هاشم الذي كان ينقل حديثي أو أسئلتي إليه بدقة وكنت اسمع الإجابة من الأستاذ محفوظ مباشرة وبابتسامة عريضة ومقربة للنفس .
وكان كل من يرافقنا الجلسة يهرع لمساعدة كاتبنا الكبير إن طلب شيئا والجميع على استعداد تام لتلقي أي كلمة أو إشارة منه أو يقوم بعمل شيء بدلا عنه ولكنه لم يطلب شيئا ومهما قدم له من عون أو مساعدة أبدا لن يستطيع أحد من المتواجدين أن يمهر بتوقيعه بدلا عن استأذنا نجيب محفوظ كنت أفكر بهذا مع نفسي وشعرت بمعنى الخصوصية والإبداع والفخر والتميز فما كان من أستاذنا الكبير إلا وسحب قلما نحيلا ورسم شيئا يشبه التوقيع بخط واضح وبصعوبة بالغة وأعاده لي بذات اليد التي كتبت وأبدعت لسنوات طويلة .
امتد اللقاء إلى الساعة وأكثر تناول الجميع المشروب البارد وتبادلوا الأحاديث السياسية والهموم الاجتماعية وضاعت أصوات الحضور عني وبقي صمت الأستاذ نجيب ملازما لصمتي فاقتربت منه متحدية الزمن والمرض وتمنيت أن أتبادل معه الأفكار والأحاديث وان استمع إلى آرائه ونصائحه ولكن كيف ؟
اقتربت أكثر من قبل لأكسر حاجز الصمت بيننا مطالبة السماح لي بان التقط معه صورة تذكارية فرحب بطلبي عانقت رقبته وكتفيه فسر وشعر بمحبتي وتقديري له فسارعت قائلة له دون مساعدة الدكتور فؤاد أو أي احد هل تعلم يا استأذنا الكبير أن سعادتي مضاعفة هذا اليوم؟
فسألني كيف؟
أجبت : لأنني دخلت التاريخ فقد رأيت في هذا اليوم هرمين الهرم الأكبر صباحا وأنت مساء .
فضحك ضحكة رنانة أسكتت الجميع، ربت على يدي التي بقيت معانقة لرقبته شاكرا كلماتي التي وصلته دون مساعدة احد ثم فتح مخطوطي وسألني عما فيه فأجبته انه مخطوط لرواية تحمل اسم زمن الصبر التي تناولت فيها حياة الشيخ زايد وأومأ برأسه مشجعا ومهنئا وكأنه قرأ المخطوط كاملا .
انتهى اللقاء التاريخي بيني وبينه فنهضت مستأذنة وشعور السعادة لا يفارقني خطيت نحو الباب الخارجي فاستمهلني مناديا لي فعدت إليه مسرعة متسائلة عما يريده مني؟
قال رحمه الله: بلغي تحياتي إلى دمشق و الأستاذ حنا مينه وتحياتي لدولة الإمارات .
طبعت قبلة على خذه المتعب وخرجت متجهة إلى النيل العظيم ولم يعترني أي شعور بأنني لن أراه ثانية وان هذا كان هو اللقاء الأول والأخير بيننا.
مريم محيي الدين
