قال المخرج التسجيلي المصري هاشم النحاس ان نجيب محفوظ الذي توفي يوم الأربعاء الماضي أرسى قواعد المدرسة الواقعية في السينما المصرية. وأضاف أن «أهميته (محفوظ) في السينما لا تقل عن أهمية وجوده في أدبنا المعاصر بل ان وجوده في السينما يفوق وجوده في الأدب».
وأشار الى أن محفوظ أول أديب يكتب للسينما اذ شارك في كتابة 25 فيلما وأنتج من إبداعه 40 فيلما.
واختار النقاد 18 فيلما لنجيب محفوظ ضمن قائمة أفضل مئة فيلم مصري بمناسبة الاحتفال بمئوية السينما عام 1996. وتنوعت هذه الأعمال بين أفلام كتبها مباشرة للسينما وأخرى شارك مع آخرين في إعدادها وثالثة مأخوذة عن إحدى رواياته أو قصصه القصيرة.
وكان المخرج المصري الراحل صلاح أبو سيف (1915 - 1996) قد نصح نجيب محفوظ بكتابة السيناريو في منتصف الأربعينات وقدما معا عددا من كلاسيكيات السينما المصرية ومن بينها (مغامرات عنتر وعبلة) و(المنتقم) و(ريا وسكينة) و(الوحش) و(الفتوة).
وعلى فترات متباعدة كان محفوظ يشارك في كتابة سيناريو أو حوار أحد الأفلام ومنها (جميلة) و(الناصر صلاح الدين) و(الاختيار) للمخرج المصري يوسف شاهين.
وعلى مدى 15 عاما مع كتابة السيناريو لم يفكر محفوظ في كتابة أي معالجة سينمائية لأي من رواياته أو قصصه قائلا انه كتب رؤيته الفنية في العمل الأدبي وربما كان غيره أكثر منه قدرة على تحويلها الى السينما.
وحين بدأ مخرجون ينتبهون الى رواياته قرر ألا يكتب السيناريو ابتداء من عام 1960.
وكانت رواية «بداية ونهاية» التي أخرجها أبو سيف أول تعامل للسينما مع روايات نجيب محفوظ وبعدها توالت الافلام ومن بينها (القاهرة 30) لابو سيف أيضا و(اللص والكلاب) و(ميرامار) لكمال الشيخ و(الكرنك) و(أهل القمة) لعلي بدرخان و(المذنبون) لسعيد مرزوق و(الحب فوق هضبة الهرم) لعاطف الطيب و(السمان والخريف) لحسام الدين مصطفى و(ثرثرة فوق النيل) لحسين كمال و(بين القصرين) لحسن الامام.
واختيرت الافلام السابقة ضمن قائمة أفضل مئة فيلم مصري وأضيف اليها فيلم (بين السماء والارض) الذي أخرجه أبو سيف عام 1959 عن قصة قصيرة لمحفوظ. وأشار النحاس في كتابه «نجيب محفوظ في السينما المصرية» الذي صدر بالقاهرة عام 1997 الى أن نجاح أول رواية «بداية ونهاية» أغرى السينمائيين بالإقبال على تكرار التجربة ووصلت هذه المحاولات ذروتها خلال الستينات حيث تم عرض عشرة أفلام تحمل عناوين رواياته.
وتابع «أفلامه تمثل في قمتها أرفع مستويات السينما العربية».
ويكاد محفوظ يكون الكاتب العربي الوحيد الذي حظيت بعض رواياته بإعادة إنتاجها أكثر من مرة ففي عام 1964 أخرج حسام الدين مصطفى فيلم (الطريق) عن رواية تحمل العنوان نفسه ثم قدمت لها السينما عام 1986 معالجة أخرى في فيلم (وصمة عار) لأشرف فهمي الذي قدم أيضا معالجة جديدة لرواية (اللص والكلاب) في فيلم (ليل وخونة) عام 1990.
وفي الثمانينات انتبه المخرجون الى الطاقة الابداعية في (ملحمة الحرافيش) التي قدمت في ستة أفلام هي (المطارد) لسمير سيف والتوت والنبوت لنيازي مصطفى والجوع لعلي بدرخان وأصدقاء الشيطان لاحمد ياسين والحرافيش وشهد الملكة لحسام الدين مصطفى.
وتحولت ملحمة الحرافيش الى مسلسل تلفزيوني كتب له السيناريو والحوار محسن زايد الذي سبق أن قدم معالجة تلفزيونية لثلاثية محفوظ. وكان مسلسل (حديث الصباح والمساء) اخر تعامل زايد مع ابداع محفوظ.
واهتم النقاد بسينما نجيب محفوظ أكثر من اهتمامهم بأي مخرج أو ممثل مصري.
ففي ديسمبر عام 2002 بمناسبة عيد ميلاد محفوظ أصدرت مكتبة الاسكندرية كتابي «نجيب محفوظ في السينما المكسيكية» لحسن عطية و«السينما في عالم نجيب محفوظ» لمصطفى بيومي.
وذكر بيومي أن الدراسات السينمائية السابقة عن محفوظ كانت مشغولة بالمقارنة بين النصين الأدبي والسينمائي.
وقال انه ركز في دراسته على ما تحتله السينما في الحياة اليومية لأبطال قصص محفوظ ورواياته.
وأثبت بيومي حضور السينما في الواقع المصري كوسيلة تثقيف أو تسلية أو مكان للقاء العشاق فضلا عن حضور العناصر السينمائية عند محفوظ كالممثل والمخرج والمصور والنقاد.
وأشار الى أن الجندي البسيط في قصة (ثلاثة أيام في اليمن) لمحفوظ يخوض حربا حقيقية لانه لم يعرف الحرب الا في الأفلام «وفضلا عن الدور الذي تلعبه السينما في تجسيد ملامح بعض شخوص نجيب محفوظ فانها تلعب دورا مماثلا في بناء الحدث الروائي والقصصي». وفي (أصداء السيرة الذاتية) يقول محفوظ على لسان الشيخ عبد ربه «ليست الدنيا في جوهرها الا فيلما يستحيل تقييمه الا بعد أن ينتهي أو يقف على حافة الهاوية».
