كان الراحل نجيب محفوظ واحداً من الكتاب الاستثنائيين، الذين يقفون بحضورهم الإبداعي علامة فارقة في تاريخ الكتابة الإبداعية، شأنه في ذلك شأن عظماء الكتاب الذين كتبوا بأقلامهم ما ترك آثاره العميقة في الوعي الإنساني على امتداد عصوره وأماكنه.

يقول الناقد د. جابر عصفور: كان حضور نجيب الإبداعي حدثاً استثنائياً مزيداً في تاريخ الكتابة، وعلى اختلاف اللغات والديانات والأعراق والقوميات كانت كتابة محفوظ تجسد رؤية شاملة في إنسانيتها نافذة في خصوصيتها، عميقة في محليتها، ضاربة بجذورها في ماضيها، واعية بحضورها في تاريخها، حتى في تطلعها إلى ملمح مستقبلها، وهي رؤية بطلها الإنسان الباحث عن العدل الاجتماعي في صراعه مع أقرانه، والباحث عن اليقين في صراعه مع الزمن،

الذي يصرعه، والذي يتركه وحيداً في تحديه معضلات الوجود، وعدم يأسه من معاودة الأسئلة الاجتماعية والوجودية بمختلف تجلياتها في مختلف سياقاتها، وهي رؤية تسعى إلى الجمع بين المتناقضات ومحاولة الهروب من تضاد العناصر بمركب يشملها جميعاً، حتى لو تصارعت هذه العناصر أو تضاربت داخل المركب الشامل، أو اصطدمت بالجدار الصلد للمستحيل الذي تحاول اختراقه ، ذلك ما يمنح المركب حيويته وثراءه ويوقد تلهبه أو توتره.

تاريخ إبداعي

أما الكاتب يوسف الشاروني فيرى أن محفوظ من أساس دعائم الرواية المصرية بل والعربية، وعبر طريقها نهائياً لمن يتلوه من أجيال، وأفسحت مسيرته الروائية الخصبة موازياً لمدارس النقد العربي في تاريخنا الأدبي كماً كيفاً، كما أنجب محفوظ على مدى ثلثي قرن قبيلة أدبية من الأبناء والأحفاد بل وأبناء الأحفاد بعضهم كان تطوراً لمسيرته وتنوعاً لها، وبعضهم تمرد عليه، لكنهم جميعاً طاولتهم مظلته الأبوية، كما أنه شق طريقاً للرواية العربية غير قراء العربية.

وأضاف الشاروني: منذ عام 1936 سار محفوظ في الموكب الأدبي حتى صار أحد الذين يتولون قيادته، وكانت ميزاته الأولى أنه كاتب متطور في تفكيره وأسلوبه، يحاول دائماً أن يجدد نفسه، وأن يكتشف كل يوم عالمه المتغير، إن روايات محفوظ الثلاث الأولى وهي « عبث القدر» في 1939، ثم «رادوبيس» في 1943 ثم «كفاح طيبة» في 1944،

كلها روايات تاريخية استلهم فيها التاريخ الفرعوني بالذات، وكان في ذلك متأثراً بالتيار القومي الفرعوني الذي اتجه إليه كثير من المصريين في ذلك الوقت، كرد فعل للنفوذ البريطاني، وكانت الرواية الأخيرة تتناول قصة كفاح الشعب المصري ضد احتلال الهكسوس، كأنما محفوظ يذكر بذلك الشعب المصري بما فعله أجدادهم من قبل مع احتلال مماثل ..

وهكذا نجد محفوظ حتى في مراحل إنتاجه المبكر لا يكتب لمجرد الفن، حيث إن استلهام آياته للتاريخ الفرعوني كان دلالة على أن يتخذ موقفاً مما يحدث في وطنه. وأضاف الشاروني : إن قصة «كفاح طيبة» كانت إيذاناً بانتهاء المرحلة الأولى من حياة محفوظ الأدبية وبداية مرحلة أخرى، حيث نشر في العالم التالي 1945 روايته القاهرة الجديدة، التي تناول فيها حياة طلبة الجامعة وسكان الأحياء الجديدة في القاهرة، حديثها ثم قديمها،

وبذلك تكون قد انتهت رحلة محفوظ في الزمان الماضي، لتبدأ رحلته في المكان الحاضر، وكانت هذه المرحلة تتميز شيئاً فشيئاً، حتى تتضح في «بداية ونهاية»، ثم تبلغ ذروتها في ثلاثية «بين القصرين» آخر أعمال هذه المرحلة. وأشار الشاروني إلى أنه على الرغم من انتقال محفوظ من مرحلة الرواية التاريخية الفرعونية،

إلى مرحلة الرواية الاجتماعية المعاصرة بدون معاناة لحظة من لحظات التأزم، إلا أن انتقاله إلى مرحلة الأدبية الثالثة ـ مرحلة الواقعية الجديدة على حد تعبير محفوظ ـ جاء نتيجة أزمة مر بها عندما ترجح بين الدراسات الفلسفية والكتابة الأدبية، وقد تضافرت هذه المرة عوامل خاصة بتطوره الفني، عوامل اجتماعية وسياسية كان يمر بها المجتمع.

احترام الإبداع

أما الشاعر عبد الرحمن الأبنودي فيقول: أهم ما تعلمته من محفوظ هو احترام السن والإبداع معاً، وأن الإنسان كلما كبر في السن، عليه أن يكتشف قيمة هذا الكبر، وأن يقبض على حقائق تقيه شر الشيخوخة، وأيضاً يجب ألا يفلت القلم من يده مهما كانت قدرة اليد والذاكرة، ومعاناتها من قسوة الزمن وقدرته على المجاملة، إذا يتقبل أشياء نعرف أنه في داخله لا يقبلها لكنه يمررها خشية أن يغضب الآخرين.

وأضاف الأبنودي : في تاريخ الرواية بأن محفوظ ظاهرة فريدة، ليس في مصر وحدها، بل في العالم أجمع عالج الكتابة مبدعاً مجدداً ما يزيد على نصفق قرن، وبعد بالرواية العربية من بداياتها الرومانسية التاريخية إلى الواقعية الاجتماعية، رغم الحداثة،

وما بعد الحداثة فمحفوظ ـ إذا شئنا وصفه ـ أحد أقطاب كوننا الروائي، فهو دوماً مفكر متأمل واسع الإطلاق كان يرى أنه أكبر من السياسة ومن الساسة ومن كل عرف في الكلمة، كما لعنها يوماً الإمام محمد عبده، وكان يرى كل شيء بعيون الإبداع، ففي الفن سياسة ومكر وتصوف ورهبانية،

مما أكسبه رؤيته الإنسانية للكون والبشر والأشياء. ومشوار «محفوظ» درس لكل من يسعى أن يكون صاحب دور ورسالة. كان صادقاً عندما كتب مخلصاً عندما اختار طريقة .. دؤوباً لكي يواصل الرحلة .. قانعاً مع الإبداع الجميل بسيطاً ككل الشرفاء، مترفعاً أمام إغراءات الحياة وتفاهات البشر.

سي السيد الرواية العربية

يقول الناقد شوقي بدر يوسف (والذي اهتم بدراسة روايات نجيب محفوظ ): يمثل رحيل نجيب محفوظ في هذه الأيام العصيبة الممتلئة بالأحداث الجسام انطواء صفحة مهمة من صفحات الإبداع السردي العربي والعالمي، وربما يكون هذا الرحيل بدء مخاض جديد لظهور نجيب محفوظ آخر على الساحة تتكرر على يده نقلة جديدة في الأدب السردي العربي،

ويفتح آفاقاً جديدة لأدبنا العربي على مستوى العالم كله كما فعل نجيب محفوظ، ولكن هذا الأمر يحتاج إلى رجل في انضباط نجيب محفوظ، وفي جديته وسطوته الكبيرة على قلمه ووقته وفكره، التي كانت معه قرابة سبعين عاماً من المعاناة والمكابدة والزمالة والصداقة والإبداع.

لقد رحل نجيب محفوظ وأصبح في ذمة الله، ولكن أعماله باقية ومنذ هذه اللحظة سوف تتحول أعماله الإبداعية إلى نسق جديد وصيغة أخرى من صيغ الأسطورة المتمثلة في الحارة المصرية بشخصياتها وأماكنها المعروفة، خان الخليلي، زقاق المدق، بين القصرين، قصر الشوق، الجمالية بحاراتها وحرافيشها وأولادها،

وسوف تمثل هذه الإبداعات كلها سيرته الذاتية الاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية على امتداد تجلياتها، حيث يتواجد نجيب محفوظ في كل عمل من أعماله الإبداعية بصورة أو بأخرى، فهو في الثلاثية، والمرايا، وأفراح القبة، وثرثرة فوق النيل، وحديث الصباح والمساء، وغيرها من الأعمال، كما سوف تمثل أصداء سيرته الذاتية علامة مهمة من علامات الإبداع في أدبنا العربي المعاصر، لقد رحل سي السيد الرواية العربية، ولم يبق لنا سوى أن ندعو له بالرحمة والمغفرة.

عبقرية الإنسان أولاً

يقول الناقد د. السعيد الورقي أستاذ الأدب العربي بجامعة الإسكندرية: رحم الله محفوظ الإنسان والفنان الذي أخلص لفنه، فأخلص له فنه، فمن عبقرية إبداعية متفردة كان محفوظ على درجة عالية من الوعي للإنسان، ومن خلال إخلاصه لفنه قدم محفوظ الإنسان في صراعاته وأحلامه ومخاوفه وتطلعاته وانكساراته، وكان يقول في أدبه تعالوا هذا هو الإنسان..

صحيح أن هذا الإنسان الذي قدمه كان ابتداء مؤطراً في حدود واقع محدد، إلا انه مع هذا وهو الأهم في الفن كان الإنسان في مطلقه تشعر به خارج كل الأطر وكل الأزمنة والأمكنة وهو ما حقق لأدبه العالمية والحضور الدائم في وجدان الناس.

لقد أعاد محفوظ اكتشاف الإنسان وساعد الناس على أن يكتشفوا أنفسهم من خلال تلك الشخصيات الفريدة والمتمايزة دائمة الحضور في وجداننا، لقد خسرنا محفوظ الإنسان ولكن أدبه سيظل قائماً بيننا بإنسانيته الأصيلة وعبقرية خلقه المتفردة ترى فيه كل الأجيال أنفسها كما وجدنا نحن فيه أنفسنا.

كلمات باقية

أما الناقد والمترجم كمال ممدوح حمدي فيرى أن محفوظ سيبقى مصدراً تستلهمه أجيال بعد أجيال على نحو ما اشتعلت الحضارة الغربية حين اتجهت إلى استلهام أصولها الكلاسيكية القديمة أستحضر اللحظة كلمات باقية لهورس RAS LONGA VITA PREVIS الحياة قصيرة والفن باقٍ.

القاهرة : تامر عبد الفتاح ـ وصفي أبو العزم :