من تأليف الفنان الدكتور عبد الكريم فرج أستاذ مادة الحفر والطباعة في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق ومراجعة الفنان فائق دحدوح، صدر في دمشق عن دار (نينوى) كتاب يبحث ويوثق لنزوات الفنان الأسباني الشهير (فرانسيسكو غويا) التي اعتبرها المؤلف قرارات احتجاج عبر محفورات إبداعيّة.

يعيدنا هذا الكتاب إلى مدة ليست بعيدة، حطت فيها نزوات غويا البالغة ثمانين محفورة من الحجم الصغير، منفذة ومطبوعة بوساطة المعدن، في صالة متحف دمشق الوطني، لم يتم عرضها من قبل، وكانت مناسبة عرضها في دمشق مرور مئتي سنة على إبداعها، حيث نُشرت العام 1799 وبذلك كانت دمشق أول من رآها في العالم.

يقع الكتاب في 216 صفحة من الحجم الوسط، والنزوات كما يشير المؤلف هي مجموعة من الرسوم بالأبيض والأسود، تم حفرها على المعدن وطباعتها، وأثناء الحفر كان غويا يطوّر عمله، يضيف أو يُعدّل، بغية الوصول إلى قيم جديدة، تتناسب مع طبيعة المادة التي ينفذ عليها الرسم، بحثاً عن إمكانيات تعبيرية وجمالية جديدة، لذلك جاءت الأعمال المحفورة متشابهة إلى حد ما، مع رسومها الأولية، وأحياناً تختلف عنها بقليل أو كثير.

وغويا لا يشبه الحفار الألماني دورر في هذه المسألة، فقد كان هذا الأخير يضع رسماً كاملاً لموضوعه قبل عملية الحفر، ثم ينقل العمل بكل دقة وأمانة، على سطح المعدن ليباشر عملية الحفر، مُقلداً بكل حرفية رسومه الأولية.

والنزوات برأي الفنان فرج، ترسم معالم شخصية غويا بشكلها الجوهري، فقد عبّر من خلالها، وبشكل واضح، عن ذاته وعن علاقته بمجتمعه الأسباني وما يدور في هذا المجتمع من مآسٍ ومظالم، فوضع في هذه المحفورات كل فعالياته المبتكرة في التعامل مع سطح المعدن الصلب، ليترك انطباعات تحولت إلى رسائل إدانة لكل ما جرى في أسبانيا في القرن الثامن عشر.

فالنزوات رسالة بليغة عمقت الأثر التراجيدي للفظاظة التي يمارسها الإنسان ضد بني الإنسان، من خلال رموز تشكيلية جديدة، قطعت آخر صلاتها مع الجمالية الكلاسيكية، بوصولها ذروة التعبير الصارم والعنيف.

والنزوات أعمال فنية تتسم بالواقعية والصدق والمعقولية، رسم فيها غويا كل ما فكر به، دون تقييد أو تحديد، فحق له أن يكون الأب الأول للواقعية الداخلية.

في مقدمة الكتاب، أشار المؤلف إلى أن تاريخ فن التصوير المعاصر، لم يطلعنا على فنان صوّر تاريخ بلاده تصويراً صادقاً ودقيقاً كما صوره غويا، ففي لوحاته يقرأ الشعب الأسباني تاريخ أسبانيا في أدق مراحلها، وفي أصعب حقبة من تاريخها. ويُضيف أن في النزوات تتجلى مفارقة لا نصادفها في أعمال كبار المبدعين فنانين وشعراء.

د. محمود شاهين