انشغل مثقفو العاصمة بيروت برحيل صاحب المتن الروائي العربي الضخم نجيب محفوظ، وقد أثار نبأ موته موجة حزن انعكست في أحاديث المقاهي والصالونات الأدبية وأوساط الكتاب والصحافيين والشعراء والمثقفين اللبنانيين والعرب في بيروت الذين وصفوه بأنه كان عصراً كاملاً في الكتابة الابداعية.

الروائية والكاتبة الصحافية علوية صبح وصفت نجيب محفوظ بأب الرواية العربية وعميدها، وقالت: لقد علمنا أشياء كثيرة، علمنا أن المحلية هي الطريق إلى العالمية والحياة هي الطريق إلى الأدب ولغة البشر والشخصيات هي الطريق إلى السرد المتألق والحي، علمنا أن نحترم معنى الكتابة والتاريخ والحركات الاجتماعية والتغير الزمني، علمنا أن مكاننا هو المكان الذي يجب أن نكتبه وأن الزمان هو التاريخ الذي نسجله في الأدب، نجيب محفوظ أعطانا الكثير بل أرسى دعائم الرواية العربية ومهد لنا الطريق والهدف.

الكاتبة الروائية أميلي نصر الله قالت ان الروائي الراحل علمنا دروساً كثيرة تركها لنا إلى جانب أدبه كي نتعظ بها وفي طليعتها صدقه وتواضعه وإخلاصه.

أضافت: كنت مقيمة في مصر عام 1988 عندما نال جائزة نوبل وكان يفاجئني دائماً في كل ما يقوله وبتلك الصفات، قرأت على لسانه قوله «كتبت في نشارة الوقت»، وحين سُئل عن شعوره إثر تلقيه نبأ الجائزة قال «دهشت» وقد ظلت هذه الكلمة تتردد في وسائل الإعلام لفترة طويلة.

لاشك أن محفوظ هو من المؤسسين للرواية العربية المعاصرة وأحد روادها وكبار أعمدتها وله الفضل الأكبر في كتابة المكان (القاهرة) بكل التفاصيل والدقة، وبفضل ترجمة أعماله إلى لغات العالم بات ذلك المكان منتشرا في كل مكان.

الروائي حسن داوود أعتبر انه برحيل نجيب محفوظ غاب ركن الأدب العربي الأول الذي أنجز مشروعه الكتابي كاملا في عمر كتابي ناف عن السبعين عاما، لقد نقل لنا محفوظ مصر التي لا أحسب أننا كنا سنعرفها هكذا من دونه، إنها مصر المتفقة، المفهومة والمحبوبة أيضا رغم مآسي أبنائها الكثيرة التي نقرأها في روايات محفوظ مثل «بداية ونهاية»، «زقاق المدق» وغيرهما.

في إحدى الرسوم بريشة الفنان المصري صالح العناني يظهر نجيب محفوظ في وسط ملصق كبير يحيط به أهل الأحياء الشعبية في مصر بجلابيبهم وطواقيهم ووجهوهم التي لا يتميز بعضها كثيرا عن بعض، فقط كان نجيب محفوظ في وسطهم جالسا على كرسيه مرتديا البذلة الإفرنجية التي تليق بأستاذ برأيهم، كأنهم أحبوه وأحبوا هذه المسافة بينهم وبينه، المسافة التي ميزوه بها راضين في الوقت الذي لا يجيزون لغيره امتيازاً عنهم.

نجيب محفوظ كان في أدبه ممثلا لهم، في الثلاثية أيضاً تحقق له هذا الانفصال عنهم كونه ينقل جانبا من حياة أسرة مصرية هو أحد أبنائها على الأغلب، تميزت عنهم أيضا بدخول أبنائها المدارس والثانويات والجامعات في الأربعينيات، محفوظ ابن الحي المصري والزقاق المصري المتصل به والمنفصل عنه في آن.

في سوريا تحدث الروائيان: خيري الذهبي ونبيل سليمان: فخيري الذهبي يرى أن: كثيراً من أبناء جيلنا من الكتاب يظنون ان اللغة العربية التي نتعامل معها اليوم هي لغة أبدية كانت موجودة وكأنها ولدت هكذا، ناسين القرون العشرة التي مرت بها فجعلتها تفقد جزالتها التي صنفها الساردون العرب الكبار من أمثال الجاحظ والتوحيدي والأصفهاني، حين جاء المتحذلقون من أمثال الهمذاني والخوارزمي والحريري، فجعلوا الجمال اللغوي للتكلف والتسجُّع وللمحسنات البديعية.

فلما جاء القرن العشرين وجد آباؤنا في أيديهم لغة مثقلة بكل ما يبعدها عن كونها خادمة لفن السرد الروائي. وفوجئ جيلنا نحن بالمنفلوطي المفروض علينا أنموذجاً لصياغة الإنشاء، وأصر معلمونا على تعليمنا تلك اللغة المائعة الغارقة في العاطفانية، حتى إذا أردنا تجاوز المنفلوطي اصطدمنا بالرافعي الذي جعل من اللغة عروساً ليست للحياة ولا للمطبخ ولا للسرير بل عروساً توضع في خزانة بلورية ينظر إليها من بعيد مثقلة بالزخارف والتجميل المبالغ فيه.

وأخيراً جاء نجيب محفوظ المتمرد على كل ما تحدثنا عنه وقدم اللغة التي نعيش الآن، اللغة الروائية المتقشفة دون زخرفة، والصادقة دون ميوعة والخادمة الحقة لفن الرواية الجميل.

إذا ما ذكرنا نجيب محفوظ فنحن سنذكره دائماً أباً لفن الرواية لغوياً ومن العالم القائم على عيون واسعة مفتوحة على العالم من حولنا دون خجل منه ودون تجميل له ودون صَغار أو حس بالضعة أمام ما فرضه علينا الرافعي وغيره من كتاب تلك الفترة.

نجيب محفوظ هو الأب الشرعي لنا جميعاً ونحن فخورون بأبوته حزينون لفقده ولكننا واثقون أنه لنا من خلفه ما يجعله خالداً في تاريخ الأدب الروائي العربي خلود الجاحظ والتوحيدي والأصفهاني.

أما الروائي نبيل سليمان فيقول: عندما نال نجيب محفوظ نوبل رددت أننا بقدر ما نحبه ونجله فإننا لا نصنمه، وبعد قليل عندما ستهدأ «طوشة» رحيل نجيب محفوظ وبالتالي «طوشة» نوبل سيكون علينا أن نتوِّجه بحق أمثولة وليس صنماً.

من حسن حظي أنني عشت في عصر نجيب محفوظ، أحببت ما أحببت من رواياته ومن سيرة حياته، ولكنني عشته على عكس ما يشاع عن سوء حظ الكتاب الذين يولدون في عصر العمالقة. .

لقد أنجزت الرواية العربية ولادتها الكبرى في إبداعات نجيب محفوظ لكن عودها تصلب وشجرتها تسامقت في إبداعات من تلوا نجيب محفوظ، لذلك تبدو الرواية العربية وبجدارة اليوم إحدى المكونات المميزة في المشهد الروائي العالمي. وإن تأكيد ذلك هو مسؤوليتنا ومسؤولية من سيلوننا، وبإنجازنا لهذه المسؤولية تكون تحيتنا لنجيب محفوظ في حضوره وفي غيابه.

أما في بغداد فقد تحدثوا عن أثر محفوظ على الرواية العراقية فمن بين رواد الرواية العراقية الذين تأثروا بمحفوظ في كتاباتهم عبدالملك نوري، وفؤاد التكرلي، وغائب طعمه فرمان، الذين استوحوا البيئة الشعبية العراقية والبغدادية بالذات في رواياتهم.

*عن محفوظ ورحلته الإبداعية الطويلة، يقول القاص العراقي حاتم حسن، وهو من جيل الستينات: «إن نجيب محفوظ خلق ليكون روائياً، فهو حتى في حديثه البسيط، يشعر المستمع انه داخل رواية تنسج من حوله.. رواية يتحكم بها هذا المبدع الكبير».

ويضيف: «من بين ما عرفته عن هذا الرجل العظيم، انه كان حريصاً على الالتزام بعلاقاته الاجتماعية ووفياً لأصدقائه ومعارفه، أي كما نقول عندنا، انه صاحب واجب، وفي نفس الوقت كان شخصا متواضعا يحب البساطة، حتى أن من حوله يطمئنون بسرعة إليه».

*ومن جانبه، قال الروائي العراقي شاكر الانباري إن «محفوظ هو احد أهرام مصر العظيمة وهو باق بالرغم من الزمن، إذ من النادر اليوم أن نجد كاتباً يمتلك هذا الإصرار والتنوع والعمق الذي امتلكه. ومن النادر أن نجد في السنين المقبلة إجماعاً على الموهبة والعبقرية الروائية كذلك الإجماع الذي حظي به نجيب محفوظ بين القراء العرب».

ويضيف «هو دون شك معلّم الرواية العربية بمفهومها المعاصر، وهو لحظة التأسيس واضحة المعالم بين نثرين، تقليدي لمّا يزل ينسج على النمط العثماني، وآخر معاصر ينفتح على الحداثة الأوروبية وتنوير المفكرين العرب.. وقد استفاد من خبرات الرواية العالمية بدقة الوعي الفلسفي، وشفافية الأديب العازم على خلق بصمته الخاصة».

ويتابع الانباري قائلاً «جاء ذلك التأسيس الروائي عبر أكثر من مستوى، لعل تطويع اللغة العربية كي تتواءم مع نمط السرد الروائي يعد الأبرز في ذلك التأسيس».

* ويرى الروائي العراقي عبدالرزاق المطلبي وهو من جيل الستينات أن محفوظ «سجل خلال رحلته تطوراً هائلاً إذ انتقل من الرؤية الاجتماعية إلى الرؤية النفسية ثم الرؤية الفلسفية، كما في رواية الشحاذ وروايته الرائعة أولاد حارتنا».

* ومن البصرة، قال القاص محمود عبدالوهاب «يبقى الروائي الكبير نجيب محفوظ من المبدعين القلائل الذين عرفوا بدأبهم وجهدهم المتواصل في كتابة الرواية والارتقاء بها، فهو على مدى أكثر من ستة عقود، يكرس جهده لأعماله الروائية .

واستقبال الطروحات الفكرية والاجتماعية التي تطرأ في محيطه والتعبير عنها، بدءاً من كتابة الرواية التاريخية ثم الرواية الواقعية ثم الرواية القصيرة تلك التي تميزت بتحولات في الأسلوبية لغة ورؤى فلسفية وتكثيفاً وبناءً مما يمكن الاصطلاح عليها بالواقعية الجديدة وهو مصطلح لا ادعي صحته بقدر ما أردت إن يكون، في الأقل، علامة على انعطاف في تقنيات الروايات وافتراقها عما كتبه في المرحلتين السابقتين».

تابع أن «هذا الامتداد الزمني والتحولات في الكتابة جعلا من كاتبنا الكبير نجيب محفوظ كما لو كان عصراً بأكمله في الكتابة الإبداعية». أما القاص والروائي العراقي البارز محمد خضير فيعلن أن «الخلود لروح المبدع.. والبقاء لروايات نجيب محفوظ».

وأضاف عقب سماعه نبأ رحيل محفوظ الفائز بجائزة نوبل للآداب عام 1988، «لا أحسب أن فقدان الروائي الكبير نجيب محفوظ سيغادر الوجدان المصري والعربي سريعاً».

وتابع «سيضاف هرم من الإبداع إلى أهرام الأرض التي يسكنها فراعنة الأدب والفن والتاريخ.. أما الأدباء العرب فستنتابهم نوبات المرض التي مر بها الأديب الراحل».

وكان خضير قد تحدث عن مدى تأثير أعمال محفوظ على الرواية العربية والعراقية بشكل عام وعلى تجربته ومنجزه الإبداعي بشكل خاص، فقال «كان تأثيره بطيئاً وخفياً مثل لغز أبي الهول، ويتوقف مستقبل الرواية العربية على حل هذا اللغز وتحليل اللقطات الأخيرة من شريط حياته، حصوله على جائزة نوبل عام 1988، وخلافه مع الأزهر بخصوص روايته (أولاد حارتنا )؛ ومحاولة اغتياله عام 1994؛ ودخوله الأخير إلى المستشفى».

وأضاف «اخذ محفوظ يشغل الآفاق العالمية بسيرته الروائية ومواقفه السياسية، ثم أصبح شاغلاً للذائقة الأدبية العربية التي اعتادت ألا تستطيب المذاق الأدبي حتى يأتي معلباً من مصانع الغرب، وكان محفوظ مثالاً للكاتب المتحول من موقع إلى موقع آخر بدأب وطول أناة، لذا نال الاعتراف بأدبه قبل الاعتراف بمواقفه السياسية.

وتراكمت كتبه بمختلف اللغات والطبعات مثل هرم مصغر؛ تعكس وجوه تحولاته الروائية التاريخية والواقعية والرمزية والملحمية، إلا إن الوجه الذي عكس المساقط الغاربة من شمس حياته اظهر أهم هذه التحولات؛ مذكراته الشخصية. ورؤاه الذاتية. أما قصصه القصيرة التي نشرها أول مرة في مجلة (الهلال) فكانت تمتاز بنوعها الحواري والغرائبي».

واستطرد قائلاً: «كان تأثيرها على ذائقتي صاعقاً وبعيد الغور. لكن إعجابي بأعمال مرحلته الأخيرة وخاصة كتاب (أحلام فترة النقاهة) كان أكثر غوراً، وقد استلهمت كتاب الأحلام هذا فنسجت على منواله نصوصاً تقترب منه وتتماهى فيه وتعترف بفضله. وصار حقاً على إن أقول إن تأثير محفوظ بدأ يفعل فعله في أعمالي، بعد أن كان هذا التأثير يأتي معلباً من مصانع العالم».

وفي الأيام الأخيرة من حياة هذا الأديب المتحول، يواصل خضير، «صرت أديم النظر في الصور التي نشرتها الصحافة لوجهه التسعيني. استطيع القول إن كل صورة منها كانت تمثل الكائن الذي يسير بهدوء إلى العالم الآخر، وقد فرغ كأسه من عصير الخيال الذي شاركه في ارتشافه ملايين القراء والكتاب المعجبين بفنه وأدبه وسيرته العصامية».