بعد عرض متميز في أرجاء المدينة التركية اسطنبول، قدم المخرج بارتاباس عرضه «بطوطة» في أحد مسارح مدينة أفينيون ضمن فعاليات مهرجان أفينيون في دورته الستين. وهذا العرض عبارة عن استعراض كرنفالي لمجموعة من الفرسان التي تمتطي خيولا مزينة وتدور حول الحلبة الدائرية لمسرح روبيرتي الذي يبعد خمسة كيلومترات عن المدينة القديمة. سيتم تقديم العرض مرة أخرى في مقر الفرقة زينغارو في باريس بين شهري أكتوبر ونوفمبر.
خلال ساعة ونصف من الزمن يجول الفرسان الحلبة مقدمين استعراضات طريفة على الخيول حيث ترافق مجموعتان من الأوركسترا حركاتهم فتزيد من سرعتها تارة وتعلن دخولهم وخروجهم إلى الحلبة تارة أخرى. تتوضع تلك الفرقتان بشكل متقابل فتتحكمان بالإيقاع السريع والبطيء لحركة الفرسان حول الحلبة. يعطي إيقاع الموسيقى الصاخب والمستمر لحركة الفرسان ألقا خاصا فكل حركة تتناغم مع أدائهم منذ دخولهم حتى خروجهم من الحلبة.
يتوسط الحلبة شلال ماء يسقط من الأعلى بشكل مستقيم وهو بذلك يوحي بمنظر النبع الذي نراه في الطبيعة. وهكذا فإن الحلبة تضاء على وقع هدير الماء المتساقط من الشلال وقد تجمع حوله أربعون فارسا في منظر صامت ومجلل صفق له الجمهور بحرارة شديدة.
في كل مشهد يقدم هؤلاء الفرسان عروضا جميلة على صهوة خيولهم فيقوم أحدهم بالعزف على الكمان بينما يعدو حصانه بسرعة فائقة حول الحلبة. يبدأ العرض بعزف قطعة موسيقية من قبل عازفي الأوركسترا ومن ثم يقوم الفرسان بالدخول إلى الحلبة فيدخل أولا سائس عربة يرتدي زيا فلكلوريا بهيا ويجر العربة فرسان مزينان بأقمشة ذات ألوان جميلة.
يستمر المشهد صامتا لبضعة دقائق وسط تصفيق وهتاف الجمهور إلى أن يخرج ذلك السائس بعد أن تلقى إشارة الخروج من أحد الرعاة الذي يرافق حركة العربة قرب مسقط شلال الماء وسط الحلبة. في أحد المشاهد يرفع أحد الفرسان إوزة طبيعية ويقف على ظهر حصانه الذي يعدو بسرعة أمام ذهول الجمهور الذي بدا وكأنه يهيش هذه الأجواء الغجرية منذ اللحظات الأولى للعرض.
تعود خيول أخرى بالظهور على الحلبة بحركة سريعة تتقدمها عربتان يقودهما سائسان يرتديان زيا فلكلوريا ويقومان بحركات مضحكة تزيد من إعجاب الجمهور وتصفيقه. وفي وسط الحلبة نرى رجلين ينظمان ذلك الدوران ويعطياه إيقاعه إلى أن تخرج العربتان من الحلبة بعد أن يرفع أحد هذن السائسين قبعته في حركة كوميدية ليعلن دخول فارس آخر.
ومرة أخرى يستمر دخول الفرسان بزي مختلف وبمشاهد أكثر متعة حيث لا ينقطع تصفيق الجمهور ولو للحظة واحدة أمام عرض هؤلاء الفرسان وحركاتهم البهلوانية التي تزيد من سرعتها وغرابتها في كل مشهد.
من أجمل مشاهد العرض ظهور الفارسة التي ترتدي زي عروس أبيض وهي تعدو بحركة موزونة على ظهر حصانها الأبيض ساحبة وراءها منديلا أبيض عليه رسوم جميلة ويتمايل حول الحلبة، وبعد عدة دورات يدخل فارس يرتدي لباسا أبيض فينضم إليها ويعدو الخيلان بجانب بعضهما البعض في حركة متناغمة تنال على إعجاب الجمهور.
لا يقتصر ركوب الخيل على الشبان فقط ففي أحد المشاهد نرى امرأة عجوزا غجرية تقود عربة يجرها حصان يتبعان حركة السائس الذي يتوضع في منتصف الحلبة ويرتدي زي الراعي مؤديا حركات كوميدية أمام تلك الغجرية التي تخرج بعد أن نقلت المتفرجين إلى أجواء حياة الغجر الرعوية.
أصول غجرية
إن كلمة زينغارو تعني «الغجري» باللغة الإيطالية وهنا يقول مخرج العرض بارتاباس:«أردت العودة إلى أصول ذلك الغجري بكل ما له من أصول فلكلورية. قمت بتوزيع العرض حول فرقتي موسيقى متقابلتين وأدخلت مجموعة كبيرة من الخيول ذات ألوان مختلفة».
ينقلنا هذا المسرح إلى أجواء الفرسان وحياتهم الرعوية التي تتميز بالسفر وتحدي الطبيعة ببساطة الغجر وتناغمهم مع المحيط الذي يعيشون فيه. وترمز صورة الفرسان الذين يقدمون عروضا مثيرة على الحلبة إلى الحرية التي يتمتع بها الغجر في حياتهم اليومية والبساطة التي ينشئون عليها وهنا يقول مخرج العرض بارتاباس: «
بالنسبة لي هذه الحرية هي خيار حياة وهي أيضا قاعدة لكل فنان. الحرية مرتبطة بمفهوم الخطر. فصورة الخيل هي الجري الذي يتم بسرعة ومن هنا فالفارس الحر معرض دائما للخطر. إن رهان هذا العرض هو تلك تقديمه على شكل لوحة من لوحات الخطر الذي يحيط بحركة الفارس».
فرقة زينغارو
تستقر فرقة زينغارو في إحدى الضواحي الباريسية منذ عشرين عاما وهي تقدم عروضا كرنفالية أهم ما يميزها وجود الخيول والفرسان في كل عرض إضافة الموسيقى التقليدية وهي تقدم عروضها في فرنسا ثم تنتقل إلى عواصم عديدة مقدمة أجواء كرنفالية ذات سحر خاص.
شاركت هذه الفرقة في عدة عروض في مهرجان أفينيون ففي عامي 1984-1987 قدمت عروض راقصة وفي عام 1989 قدمت الجزء الثالث من هذه العروض. ثم قدمت عرض «خسوف» عام 1997 وعرض «تريبتيك» عام 2000. وهذا العام تشارك بعرضين متميزين هما «بطوطة»و «شروق الشمس».
منتجب صقر