لسنا بحاجة نحن محبي فن نجيب محفوظ لنرثيه، أو نقدم نعيا، فنحن لم نصاحبه حتى نفتقد ما يمكن أن نفتقده، فمنذ أن تعرفنا على فك الحروف، وبدأنا نتلمس طريقنا للكتاب كان نجيب محفوظ هو في مقدمة الاكتشافات ليس لجيلي فقط، وإنما لأجيال سبقت، وأجيال تأتى بعد حين.
لذلك فان أي تغير فسيولوجي لا يغير من قناعتنا بوجود المعلم الأول حيا، مع إمكاننا بان نعيش معه مثلما عشنا سنوات طوال ومثلما ستعيش معه أجيال وأجيال. نجيب محفوظ.. المعلم الأول.. لأسباب بديهية لا تحتاج إلى جدل، فما من روائي عربي عاصر نجيب في بداياته دون أن يتعرف على ما أنتجه هذا المبدع.
كما لا اعتقد أن أحدا ممن سيمارس كتابة الرواية من العرب دون الرجوع إلى نتاج وإبداع محفوظ، تماما مثل كل الشعراء لابد أن ينتهلوا من الشريف الرضي، وحسان، والمتنبي، وعمر بن أبي ربيعة، وديك الجن، والعباس بن الأحنف وكل رموز الشعر خاصة وان نجيب محفوظ قد احدث نقلة نوعية في الرواية العربية عند ظهوره،
و ظل مجددا ومتميزا في كل إصدار جديد، وكل رواية كانت بمثابة درس جديد كنا نتعلمه لتراكم معرفتنا ولنعيش حياة أبطال رواياته وكأنها تحيا بيننا. ايضا ينبغي أن ندرك أن الرواية العربية قبل نجيب محفوظ لم تكن إلا تجارب ومحاولات لم تكتمل في تجربتها إلا أن المعلم محفوظ أسس لفن الرواية العربية، وحقق حداثة جديدة وانجازاَ لم يحققه أسلافه، كما لم يصل إلى مستوى تجربته عدد غير قليل ممن جاءوا من بعده.
إن الحداثة التي أوجدها المعلم محفوظ لم ترتبط بالفن الروائي المكتوب فحسب، بل كانت تجربته السينمائية نقلة جديدة في السينما، وواحد من أهم كتاب الواقعية الذين امتازوا بأفلامهم، محفوظ كان الورقة الناجحة في كل فيلم روائي عربي شهد النور،
لا لكونه روائيا متميزا فحسب بل كان كاتب سيناريو من الدرجة الأولى، لقد خلص السينما في وقتها من الكثير من الترهلات، والسخافات، والسفاسف، والهبوط، وقدم سينما تخدم الإنسان وتحترم عقله مثلما تحقق له المتعة.
نجيب محفوظ لم يمت.. وان انتقلت روحه إلى الباري عز وجل، وفلسفة الموت تختصر الرحيل بالانتقال من مكان إلى مكان آخر، غير أن هذا الانتقال ابدي لا رجعة فيه. وعزاؤنا نحن عشاق أدب محفوظ، في كل ما خلفه لنا من تراث غني بإبداعه، غزير بإنتاجه.
وإذا كنا نحن الذين اعتدنا قراءة رواياته ومعايشته من خلالها فانا على يقين أن البسطاء من الناس سيعودون إلى أفلامه، وسيعيشون مع شخصياته الشعبية، والحارة المصرية، والبيت الشعبي، والمشاكل الاجتماعية، ولن يغيب عن بالهم سي السيد ولا سعيد مهران،
ولا كمال، ولا كل الشخصيات التي اوجدها على الشاشة مثلما كانت وما زالت تعيش بين طيات رواياته الخالدة. حزين... بقدر ما أريد أن أبدد حزني، سأحاول وان كان ذلك صعبا أن اقرأ اليوم بعضا مما تعلمناه من المعلم الأول، فإننا ما زلنا طلبة صغارا في مدرسة المعلم الكبير نجيب محفوظ.