لم يخلص كاتب مصري لمدينة ما كما أخلص نجيب محفوظ لمدينة القاهرة وخصوصا لحي الجمالية التاريخي الذي دارت فيه أحداث كثيرة من رواياته والذي عاشت بعض من أشهر شخصياته مثل السيد احمد عبد الجواد في شوارعه وحواريه.

بل ان كثيرين من القاهريين أنفسهم أعادوا اكتشاف حي الجمالية الذي يزيد عمره على ألف عام في ضوء قصص محفوظ ورواياته التي حمل بعضها اسم حارة مثل «زقاق المدق» أو قطاع من الحي نفسه مثل «خان الخليلي» وثلاثية «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية».

حتى حين خرج محفوظ عن نطاق هذا الحي كانت أحداث الروايات تدور في كثير من الأحيان في الخلاء المحيط به كما هو الحال في «أولاد حارتنا» و«ملحمة الحرافيش». وقال الروائي المصري جمال الغيطاني لرويترز إن محفوظ لم يكن يحلو له أن يغادر القاهرة إلا إلى الإسكندرية «التي كان يعشقها» في رحلة سنوية تشمل معظم شهور الصيف

حيث دارت في هذه المدينة الساحلية أحداث روايتيه «ميرامار» و«السمان والخريف» والصفحات الأولى من روايته «الطريق» التي اكتملت أحداثها في القاهرة الفاطمية أيضا. وأبدى الغيطاني دهشته من أن محفوظ لم يذهب مثلا إلى مدينة الأقصر التي تضم أبرز الآثار المصرية القديمة.

وقال انه غادر مصر مضطرا ثلاث مرات. كانت الأولى ضمن وفد رسمي إلى يوغسلافيا عام 1959 في ظل انتعاش حركة عدم الانحياز التي ضمت أيضا مصر والهند. ثم سافر إلى اليمن عام 1962 وكتب قصة قصيرة عنوانها «ثلاثة أيام في اليمن».

وكانت الأخيرة عام 1990 إلى العاصمة البريطانية لندن لإجراء جراحة في القلب. ولد محفوظ في حارة درب قرمز الواقعة في ميدان بيت القاضي بحي الجمالية يوم 11 ديسمبر عام 1911 وفي سن الرابعة ذهب إلى كتاب الشيخ بحيري في حارة الكبابجي بالقرب من درب قرمز قبل أن يلتحق بمدرسة بين القصرين الابتدائية. ثم انتقلت الأسرة عام 1924 إلى حي العباسية.

وتوفي محفوظ عن عمر يناهز 95 عاما اثر إصابته بقرحة نازفة كما توقف قلبه أكثر من مرة وأجريت محاولات لإنعاش عضلة القلب التي كفت عن الخفقان. ونال محفوظ «قلادة النيل» أعلى وسام مصري عقب حصوله على جائزة نوبل في الآداب عام 1988 حيث ما زال العربي الوحيد الذي حصل على هذه الجائزة.

ويرى نقاد أن أعمال محفوظ لا تستعرض التاريخ المصري الحديث فقط وإنما تؤرخ لتحولات مدينة القاهرة نفسها.ففي رأي الناقد المصري أسامة عفيفي أن محفوظ كان من الذكاء بحيث استطاع أن يلتقط التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في مجتمع القاهرة الذي ظل حتى الأربعينات يضم شيوخ الطوائف مثل النحاسين والحلوانية وغيرها من المهن كما كان يضم بقايا الفتوات رمز القوة في معظم روايات محفوظ.

وبرغم أن الغالبية العظمى من أعمال محفوظ وشخصياته تعبر عن الطبقة الوسطى بتطلعاتها وأحلامها واحباطاتها في مدينة واحدة وفي كثير من الحالات في حي واحد يقول عفيفي ان القارئ قلما يجد تشابها بين عمل وآخر لمحفوظ.

فرواية مثل «ملحمة الحرافيش» التي تدور على أطراف القاهرة تختلط فيها الأسطورة بالسياسة بالفلسفة في فترة تاريخية غير محددة قبل بداية القرن العشرين أما رواية «بداية ونهاية» فتقع أحداثها في حي شعبي قاهري غير محدد أيضا في حين ترصد رواية «زقاق المدق» تأثير الحرب العالمية الثانية على الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى.

وتمثل الحارة في رواية «زقاق المدق» الهواء الذي يتنفسه أهالي تلك الحارة الضيقة الذين تفاجئهم الحرب العالمية «1939 - 5491» ويسعى بعضهم عبر طموح شخصي إلى الخلاص الفردي فيضيع كما ضاعت حميدة بطلة الرواية في «الدنيا الجديدة». وكانت «الدنيا الجديدة» اسما لمسلسل تلفزيوني مصري في الثمانينات مأخوذ عن رواية «زقاق المدق» التي تحولت إلى فيلم سينمائي في بداية الستينات.

أما رواية «بين القصرين» فهي تسجل صعود الوعي السياسي لدى طبقة بورجوازية ناشئة في ظل الاحتلال البريطاني لمصر ممثلة في السيد أحمد عبد الجواد الذي يكتفي بالتعاطف مع بطل تلك المرحلة سعد زغلول لكنه ينهى ابنه فهمي بصرامة عن المشاركة مع الجماهير المطالبة بالجلاء ثم يلقى الابن مصرعه في مظاهرة أثناء ثورة 1919.

ويرصد هذا الجزء من «الثلاثية» التي كانت بين أربعة أعمال لمحفوظ نوهت بها لجنة جائزة نوبل العلاقة بين أهل القاهرة والجنود البريطانيين الذين فرضوا حصارا على بعض الأحياء. وقال عفيفي ان محفوظ «وهو قاهري بامتياز» لو كتب عن شارع المعز وحده وهو الشارع الرئيسي بحي الجمالية لقدم أعمالاً لا تميل إلى التكرار

«لأنه متجدد دائما وينطلق من التعامل مع بشر ينتمون إلى شرائح وطوائف اجتماعية مختلفة تمنحه فرصة لاكتشاف ما تتمتع به من ثراء» مشيرا إلى أنه بحكم دراسته للفلسفة يرى أبعد من العلاقات الظاهرة كما يستطيع أن يتنبأ بما يمكن أن تؤول إليه سياسات معينة.

وقال الكاتب المصري يوسف الشاروني ان محفوظ أشبه بحكيم يروي أحوال مدينة القاهرة التي تلخص الدولة المصرية مشيرا إلى أنه في حين لم تكن تستهويه فكرة السفر كان «ينتقل إبداعيا بموضوعاته الإنسانية

واستطاع القفز بأسلوبه ومعالجته لقضايا النفس البشرية وهذا يكفي». وأضاف أن ضيق الحيز الجغرافي لا يمثل مشكلة للكاتب «المقتدر» ما دام يستطيع مخاطبة أعماق القارئ في أي مكان مستشهدا بترجمة أعمال محفوظ إلى نحو 29 لغة منها «لغتا أقليتين في اسبانيا وألمانيا».

(رويترز)