رحل الروائي الكبير نجيب محفوظ عن عمر يناهز الخمسة والتسعين عاماً، تاركاً إرثا روائياً، شكل، وما زال علامة فارقة في الأدب العربي المعاصر، مستنداً في أعماله على ملامسة نبض الشارع وشخوصه، موظفاً التراث، معمقاً المحلية بمرجعيات فكرية وفلسفية، تصبو بها إلى قضايا تهم الإنسان والوجود، ورغم هذا الكم الكبير من الأعمال، وهذا العمل الدؤوب، والجهد الهائل الذي بذله الأديب الكبير، هل ترك لنا رواية عربية خالصة؟
يؤكد النقاد أن الرواية جنس دخيل على الأدب العربي، لكن محفوظ قطع بالرواية في ثلاثة عقود ما قطعته الرواية الغربية في نحو ثلاثة قرون، حيث بدأ بالرومانسية التاريخية، والواقعية، والواقعية الجديدة، والوجودية، مستنداً في ذلك على ثقافته الفلسفية، ومهاراته الفردية، فأنتج نصوصاً عربية.
ولكن هذه النصوص حين قرأها الغربي مترجمة، وجد إنها عربية في لسانها، وفي قضاياها، لكن شكلها وفنياتها لا تختلف عما سائد في الغرب.
يذكر محفوظ إنه رجع إلى ألف ليلة وليلة بقراءة جديدة، وولد منها نصاً روائياً، مزيلاً الحاجز بين الحكايات الإطارية، والحكايات المضمنة، وقد اشتغل ذلك ليطرق قضية الحكمة والسلطان في مصر، وفي عهد أنور السادات بالذات، ويبلور في تلك الرواية رؤية فنية جديدة، ورؤية ايديولوجية عن نشر السعادة والعدل في الوطن العربي.
وهي ليست إعادة لحكايات ألف ليلة وليلة، وليست كتابة منقطعة، وإنما هي توليد رواية، قيمتها وثراؤها في أن القارئ الذي قرأ ألف ليلة وليلة، يدرك التحول والتغير والدلالات الجديدة التي ولدتها.
ومع ذلك يظل السؤال الأكبر في رحيل محفوظ، عن سر استمراره الدائم في الكتابة، وتألقه عالمياً وعربياً، رغم أن هناك محاولات روائية مبكرة لكتاب مثل سليم البستاني وفرانسيس مراش، أو جورجي زيدان، وأحمد شدياق ومحمد المويلحي..
روجر ألن أستاذ الأدب العربي والأدب المقارن بجامعة بنسلفانيا، فيلادلفيا، بالولايات المتحدة الأميركية، ترجم معظم أعمال محفوظ إلى اللغة الانجليزية، قال في حوار سابق له مع «البيان »: ساهمت في ترشيح محفوظ لجائزة نوبل، لأنه يعتبر حقاً المؤسس لما جاء بعده، انه المؤسس الكبير في الخمسينيات للرواية العربية، وقبل ذلك كنا في عصر التجريب، ولا توجد رواية على درجة الامتياز ـ بكل صراحة ـ قبل محفوظ.. فماذا يقول المثقفون في رحيله، وما وقع ذلك عليهم ؟
القسم الثقافي في جريدة «البيان» تابع الحدث، واستطلع آراء عدد من المثقفين العرب والإماراتيين..
** بلال البدور وكيل وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع للشؤون الثقافية يقول إن نجيب محفوظ من المنارات التي نعتز بها في مجال الحقل الثقافي العربي، فعبر نجيب محفوظ وصل الأدب العربي إلى العالمية وذلك بعد أن حصل على جائزة نوبل للآداب، ووفاته مع إيماننا بقدرية الموت تعد خسارة، لأننا بفقده نفقد علماً من أعلام ورموز أمتنا العربية.
لكن العزاء أن هذه الشخصية خلدت في الذهنية إبداعات كثيرة ستبقى تثري المكتبة العربية، وسنبقى نرى محفوظ من خلال الكتب والدراما السينمائية التي تبرهن في كل مرة على انه علم شامخ ومثل للأجيال القادمة.
** وقال د.علي عقلة عرسان الأمين العام للأدباء والكتاب العرب:
ـ فقد الوطن العربي قامة أدبية شامخة كان لها دور في تقديم الحياة والمعاناة وشخصية الإنسان العادي بين الطبقة الوسطى بالدرجة الأولى في مصر، إلى العالم بإبداع روائي اكتسب مكانة عالمية وترك تأثيره على أدباء وكتاب عرب وعلى قراء كثيرين.
ووصل مضمون هذا الإنتاج إلى من لا يقرأ في حالات كثيرة عبر السينما والأفلام الكثيرة التي أنتجت بناء على إعداد لأعمال روائية للراحل نجيب محفوظ، الذي انتمى بعمق لمصر ولشعبها ونكاد نقول إن الخيط الذهبي الجامع في إنتاجه هو بين الشارع المصري في ألمه، معاناته، خصوصياته، فرحه، وفي الأبعاد الاجتماعية التي يعيش فيها ويقدمها للآخرين.
وأضاف متابعاً:
ـ استطاع نجيب محفوظ أن يقدم صوراً غنية عن حياة الناس وقدم رؤى سياسية واجتماعية ومواقف من قضايا كثيرة حتى من معطيات دينية، وكان في اهتمامه يجمع بين وراثته للحضارة الفرعونية وانخراطه في الحضارة العربية الإسلامية، وقد ترك أكثر من خمسين عملاً روائياً وقصصياً غطت الكثير من الجوانب الاجتماعية والإنسانية والثقافية والسياسية لمصر، وذلك في العمر المنتج الذي عاشه نجيب محفوظ بين ولادته في 11 سبتمبر 1911 ووفاته في 30 أغسطس 2006.
لذلك يجب أن نتذكر تأثيره على كتَاب وأدباء وروائيين بالدرجة الأولى، لأنه سوف يبقى بعد غيابه حاضراً ومؤثراً في أجيال قادمة، ومساهماً في تكوين الذاكرة والوجدان العربي من خلال إنتاجه الذي يسجل حضوراً مستمراً بعد غياب جسده.. رحمه الله وأحسن إليه.
رائد الواقعية
** وفضّل الأديب الإماراتي سيف المري القول:
ـ أولاً نعزي أنفسنا وكل العرب لرحيل مبدع كبير ورجل من أعلام القرن والمنطقة العربية، فهو من الأسماء التي قدمت الثقافة العربية في المحافل الدولية، وإن غاب جسده فهو لا يموت، لأن الأدب خالد والمبدعون خالدون في ذاكرة الأمة وفي ذاكرة التاريخ بإنجازاتهم وأعمالهم، فإبداعات نجيب محفوظ ستظل وعطاؤه الذي قدمه للإنسانية والإنسان العربي في زمن نعاني فيه من تهميش المبدع وعدم الاحتفاء به، فالمحزن أن نقدر أدبنا وعظماءنا إذا تم تقديرهم من قبل الآخرين ومن أمم يحظى الأدب فيها بمكانة أسمى مما يلاقيه الأدب والأديب العربي.
وتابع قائلاً:
ـ وهنا أعزي عائلته ومحبيه وكل الأقلام التي تعرف والعقول التي تدرك شخصا بحجم نجيب محفوظ ، وقد حرصنا في دبي الثقافية أن يكون غلافنا عن نجيب محفوظ وأن نفرد مادة ثرية في هذا العدد عن أدبه وما قدمه، وأحس كأديب إماراتي بالألم والحزن.
وأعتقد بأنه مع غياب الأديب والمبدع قد تمر قرون حتى يأتي شخص يملأ الفراغ الذي تركه، وعندما تعرض نجيب محفوظ منذ سنوات إلى محاولة اغتيال بسبب روايته الشهيرة «أولاد حارتنا» كان مؤلماً أن أسلوب الحوار عند الجيل الجيد بالسكين والسلاح مع أن ثقافتنا العربية وقيمنا معتادة على أن الحوار هو حوار وفكر، مع أنه كان يجب لهذه الرواية التي صدرت في الخمسينات أن يرد عليها في ذلك الوقت.
فلماذا امتد أمد الرد عليها كل هذا الوقت خاصة انه كان رحمه الله شديد الحرص على أن يجيزها الأزهر من منطلق تقديره للعلماء والمؤسسة الدينية، فهو مبدع وقد تفوته بعض الأشياء التي قد تثير بعض الجهات الدينية بغض النظر عن هذه الجهات.
وختم الأديب الإماراتي حديثه:
ـ كل ما أتمناه أن يعوض الأدب العربي بكاتب، لأنني أعتقد أن الأدب العربي ما زال يجمعنا وأعتقد أن الأدب قادر أن يجمع ما فرقته السياسة..رحم الله الأستاذ الكبير الراحل، ووصيتي لكل أديب عربي أن يحرص على أدبه بنفس حرص نجيب محفوظ على قلمه عندما كان يكتب للناس بعيداً عن المكاتب الفخمة والأبراج العاجية العالية.
** وقالت القاصة باسمة يونس:
ـ لا شك أن مؤلفات «محفوظ» مؤثرة بنفسية الإنسان العربي بشكل خاص، وبالعالم بعد حصوله على جائزة نوبل، حيث بدأت الناس تتجه إلى العالم العربي من خلال مؤلفاته، وفقدان شخصية كنجيب محفوظ مؤثر للغاية لكنه سيبقى معنا، بأدبه وما أسسه بين الناس والأدباء من إبداع، فوجوده سيستمر بشكل متميز، لما عكسه من قصة محلية متشبعة بروح المكان والإنسان، سنقرؤه في كل مرة نقرأ له فيها، وسنشعر أنه كتبها من جديد.
** وأكدت الشاعرة الهنوف محمد، أننا بالفعل قد خسرنا مبدعاً من أهم مبدعينا على مستوى الوطن العربي، والذي نقل الأدب العربي الحديث إلى العالمية، لقد كان الأديب الراحل من أخطر المبدعين العرب من خلال تحليله السيكولوجي لطبيعة الرجل الشرقي والمرأة الشرقية، فقد طرح وشرح النفسيات بجرأة نشكره عليها، كما طرح المسكوت عنه وطرح ما كان يخفيه الجميع في أطراف الليل، وفضح ازدواجية الليل والنهار.
** وقالت القاصة الإماراتية فاطمة السويدي، إن نجيب محفوظ ويوسف إدريس وجميل حتمل وغسان كنفاني قامات لا تتكرر في عالمنا العربي والأدبي كذلك فقامة كقامة نجيب محفوظ ماذا يمكننا أن نقول فيه عند رحيله فهو قامة تشبه البحر فهل يمكن لنا أن نغفل البحر المتجدد في عطائه وكنوزه الكثيرة مما ترك لنا نجيب محفوظ من قصص وروايات وسيرة ذاتية، وهذا الرحيل المباغت لنا نحن البعيدون عن واقعه وأجوائه في غمرة الحياة يجعلنا نتوقف ونتساءل كم نحن مقصرون؟!
ويجعلنا نلتفت إلى هذا العالم الكبير الذي تركه لنا ونتذكره دائما وبما حواه من غنى وتعدد في الأساليب والتقانات الجمالية للفن الروائي والقصصي وعلينا أن نقرأه مرارا وتكرارا. ويظل نجيب محفوظ بحرا راسخاً بأعماله وإبداعاته في الذاكرة الثقافية العربية رغم رحيل جسده.
** وقال الناقد د.عبد الرازق عبد المنعم:
ـ لا أحد ينكر إن نجيب محفوظ وصل إلى مستوى الريادة بالنسبة للرواية على مستوى الوطن العربي، وكان له السبق في مجالات كثيرة، فقد بدأ الكتابة قبل الثلاثين من عمره عندما كان موظفاً بسيطاً، والقليل يعرف أنه بدأ ينشر بعد شهرته ما كان قد كتبه سابقاً.
لذلك يعد نجيب محفوظ رائد الواقعية في الرواية، ورغم سوء الفهم لرموزه في روايته «أولاد حارتنا»، حيث أن الأزهر منعها وبعد أن تدخل وزير الثقافة ونشرت وحدث جدال كبير، قال عنه محفوظ : «أي أحد يفهم ما يريد أنا لا أقصد التجديف»، ولكن بعض الناس المتطرفين في الساحة فهموا نصوصه خطأ، وبدأوا يحاولون منع أي شيء في الأدب، والمهم أن أعمال نجيب محفوظ، وطه حسين من قبله استفزوا السلطة الدينية للمنع والحذف ولعب دور الرقيب في العالم العربي، وهذا لا يتفق مع المبدع والمبدعين.
وأضاف متابعاً:
ـ فقدنا عبر تاريخنا العربي المعاصر قامات كبيرة من طه حسين إلى سعد الله ونوس، إلى محمد الماغوط وغيرهم من الجبال الرواسخ الذي يعد محفوظ آخرهم وسوف يتركون فراغاً في الإبداع العربي لمئة سنة قادمة، والمحزن عندما بدأت مكانة محفوظ تترسخ فهمه الناس بشكل مغاير، لأنه كان رجلاً مسالماً في العهد الحديث، فأي مبدع يقترب من السلطة، يأخذون تجاهه موقفاً معاكساً وردة فعل حادة تجاه المثقف، وقد كان يستحق نوبل التي فقدت أهميتها بالنسبة للكثيرين، بل يستحق أكبر من هذه الجائزة.
آخر عمالقة الأدب
** وأكد الناقد د.سلمان كاصد، أن نجيب محفوظ آخر العمالقة، ومن أهم الجوانب التي تميزه أن الانضباط لديه أصبح رابطاً مهماً من روابط الكتابة، فكل ما حصل نقله محفوظ إلى أزمان جديدة، وعليه أصبح صورة ومرآة للمجتمع العربي والمصري، فالمفهوم السابق أن الشعر هو مرآة للمجتمع، وعلى يد نجيب محفوظ تحولت الرواية إلى مرآة تعكس المجتمع، بل تعكس الزمان والمكان.
والمعضلة عند نجيب محفوظ أنه اهتم بالمجتمع المصري العادي المألوف، دون غيره من دون الروائيين الذين اهتموا بالطبقة المخملية، من خلال تواصله الخلاق، من احتواء الإنسان البسيط العادي المألوف، الذي حوله إلى غير مألوف، بعد أن نقل مشاكل الناس البسطاء، وإن اختلفوا على شخصية «كمال عبد الجواد» الذي يمثل شخصية كل شاب مصري، فبعض النقاد رأى أنها تمثل شخصية نجيب محفوظ بذاته، لكنها في الحقيقة شخصية كل شاب مصري من الطبقة البسيطة.
لهذا السبب يعتبر «محفوظ» الروائي الوحيد الذي استطاع أن يخرج بأدبه خارج القيود الروائية والسياسية، ويصل إلى العالم، بعد أن تجاوز بأدبه الحدود، في ظاهرة لها علاقة بالبنية الاجتماعية التي تحولت إلى بنية فنية، لم توجد خارج نطاق البنية الاجتماعية.
** ورأى عمر غباش رئيس جمعية المسرحيين في الإمارات، أن نجيب محفوظ رغم كل ما قدمه للأدب والثقافة، سيترك فراغاً لدى المثقفين في الوطن العربي عامة ومصر خاصة، فهو العربي الوحيد الذي حاز على جائزة نوبل للأدب، وله تأثير كبير بين في الساحة الثقافية المصرية.
ومع هذا ستبقى أعماله خالدة، ومنبعا من منابع الثقافة للأجيال القادمة، فلا يخفى على أحد ما شكلته أعماله من معين للدراما العربية، فأكثرها تم تحويلها إلى أفلام سينمائية، ومسلسلات تلفزيونية لاقت رواجاً عند كل فئات الشعب العربي، مما يدل على قرب الروائي الكبير ـ رحمه الله ـ من الناس وهمومهم وتطلعاتهم.
** يقول د.عمر عبد العزيز مدير تحرير مجلة الرافد:
ـ برحيل الروائي العربي الكبير نجيب محفوظ تكون الرواية العربية وكامل الفنون السردية المعروفة، قد طوت صفحة كبيرة من العطاء والإنتاج والتواشج مع المجتمع، فالراحل الكبير عرفناه منذ ستينات القرن المنصرم عن طريق ثلاثيته الشهيرة.
تلك الثلاثية التي كانت بمثابة مشروع لتجديد الآداب السردية العربية من خلال الوصف وتتبع الأجيال والإيحاء إلى الحداثة وأثرها على المجتمع وكشف ازدواجية الشخصية العربية وكشف حالة الاشتباك بين الماضي والحاضر في المجتمعات العربية من خلال نماذج «أحمد عبد الجواد» و« ياسين» وتقديم صور روائية مكاشفة لواقع المجتمع وحيواته، وقد كان نجيب محفوظ بمثابة أحد البناة الأساسيين للروح السردية العربية التي توازت مع النهضة.
كما عرف عن الراحل تعامله المسؤول مع العملية الإبداعية فقد كان يخضع نفسه لنواميس يومية في الكتابة والإنتاج والمراجعة والتدقيق فيما كانت علاقته بالمكان بقدر ثبوتها المرئي، إبحاراً كبيراً في الزمن الإبداعي المفتوح، ولهذا السبب نال نجيب محفوظ بجدارة جائزة نوبل للآداب وكان العربي الوحيد الذي انفرد بها حتى اللحظة.
وأضاف:
ـ والآن وبعد أن رحل محفوظ إلى جوار ربه يمكن أن ينفتح الباب لقراءات متجددة لا تقف عند تخوم الإنجاز والإشادة ولكن أيضاً تخضع النص «المحفوظي» لشروط زمانه ومكانه بما ترصده مختلف جوانب الإيجاب والسلب في هذا النص حتى نتخلص من روح النقد الاستفزازي الذي لا يقر مسبقاً بأن كل عمل أدبي إبداعي لا يكتمل بالضرورة.
بساطة الروح
** ورأى الكاتب السيد حافظ، أن نجيب محفوظ رمز لقرن أنجب العباقرة والرواد والمؤسسين للثقافة العربية الأصيلة، فهو شمس الفكرة وصمود التجربة وبساطة الروح وإيجابية الحياة، فالحياة هي الكتاب والكتابة، وهي المفر والملجأ والحصن الذي يحتمي به نجيب محفوظ وهو الذي علمنا أن نصمد وقد صمد أكثر من 20 عاماً ينتظر أن تنشر أعماله، وأن يلتفت إليها النقاد والباحثون والأدباء والقراء.
فنجيب محفوظ هو الذي أسس النفس الطويل للرواية العربية والتصق بالحارتين المصرية والعربية، وعبَر عن الطبقة المتوسطة خير تعبير، لأنه كاتب الطبقة المتوسطة التي هي صمام أمن المجتمع، وهو الذي احتوى كل الأجيال العربية ولم تحتويه كل الأجيال، كما أنه صاحب البصيرة والموقف الشهير من أن الكتابة عالمه وليست السياسة، وقد حاول أن يرضي اليسار واليمين، كما حاول أن يرضي كل الأطراف وكل الصراعات ولم يلتزم بقضية سياسية، بل كان همه المجتمع والناس، وكل البسطاء، بعد أن علمَنا الصبر على النقاد.
وقد أخذ البعض عليه أنه لم يلتزم بالقضية الفلسطينية أو أي قضية وطنية لكنه كان دائماً يبتعد عن السياسة لأنها تتقلب، وأما الثبات فللأدب والإنسان، كما أخذ عليه البعض صداقته للنقاد الإسرائيليين، لكن الجميع اكتشفوا أن مشكلة نجيب محفوظ أنه يحب الكتابة ويحب أن يكتب فقط دون انتحار في أي تفاصيل سياسية لأنها طارئة جداً.. هذا هو نجيب محفوظ الذي علمنَا حب الكتابة والذي أخذنا عليه بعض النقاط لكنه ظل شامخاً ومبدعاً ومتواجداً حتى أنفاسه الأخيرة، عاش قرناً من الزمان وأعماله ستعيش قرونا عديدة.
** وعبر الأديب السوداني كمال الجزولي عن مشاعره لرحيل الأديب الكبير بالقول:
ـ إن المرء ليستشعر حزناً وأسى لرحيل هذا الروائي العربي الكبير، فقد شغل محفوظ المشهد الأدبي لأكثر من نصف قرن من الزمان، ويقيناً ستظل قامته الأدبية الرفيعة باقية ما بقيت الحياة، فقد غرف الراحل بما قدمه من أعمال روائية وقصصية وسينمائية، أحداثه وشخصياته من ينابيع الحياة الشعبية المصرية وأعمل فيها طرائقه المميزة بخيال بالغ الخصوبة، لتغدو مع الأيام علامات فارقة في المشهد الروائي الكوني وإسهاماً مغايراً شكَل إضافة نوعية عميقة لأدب السرد العالمي.
كما نقلت رواياته، الحارة الشعبية المصرية من محدوديتها المكانية إلى فضاءات إنسانية رحبة استحق لأجلها جائزة نوبل كتكريم عالمي رفيع له وللأديب الرواية العربية عموماً.. عموماً رحم الله الفقيد العزيز رحمة واسعة وألهم أهله وزملاءه، كتَاب مصر والأمة العربية الصبر والسلوان.
قمة أدبية
** وعبرت الروائية السودانية بثينة خضر مكي عن عميق حزنها بخبر وفاة الأديب العالمي نجيب محفوظ قائلة: إنه فقد يعم الأمة العربية بأجمعها، باعتباره فقدا للغة الضاد، وموت نجيب محفوظ هو انهيار لأحد الرموز العربية المشرفة في الثقافة في هذا الزمن، زمن الانكسارات العربية، وقد كان إضاءة ومعلماً مشرفاً لكل العرب، ونحن كأدباء وكتاب رواية جميعاً تتلمذنا على أدب نجيب، إنه قمة أخرى تنهار بعد عبدالناصر وأم كلثوم، إلى جانب باقي الرموز العربية العملاقة.
وأضافت:
ـ أشعر بحزن بالغ فنحن لا نزال في دوامة الحزن على لبنان، وهاهي قمة أخرى تذهب، فهو كقمة أدبية تتفوق على القمم السياسية، وخسارتنا أن فقدان وانهيار قمة أدبية أكبر بكثير من انهيار القمم السياسية، لان هذه تتبدل وتتغير بتغير السياسات، أما القمم الأدبية فهي ثابتة لا تتغير، إنها تلك القمم التي تغذي الروح والعقل فإنها بلا شك باقية، وحزني بوجه خاص، أني أعتبره أستاذا لي، وما يعزينا أنه باق فينا إلى الأبد من خلال تشكيله وتصويره للواقع العربي والحارة المصرية خاصة، وكمثال سيظل هو النموذج الأمثل لما يقدمه الأدب وما يجب أن يقدمه الأدب.
** ورأى الكاتب البحريني حسن مدن، إن غياب نجيب محفوظ خسارة للأدب العربي، لأنه رجل بقامة قرن ترك بصماته القوية على حياتنا الثقافية والإبداعية، جسد في رواياته وقصصه تناقضات وآمال وطموحات أجيال عاشت في هذه المرحلة الطويلة، مشيراً إلى أن حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل هو فخر للأدب العربي في وصوله إلى مستوى العالمية، لذلك ستظل ذكراه حاضرة في وجداننا جميعاً ولن تغيب عن كل روائي ومثقف عربي حين يتذكر إبداعاته الروائية التي شكلت آمال وتطلعات مثقفي الوطن العربي.
** وابدى الروائي خالد البسام، حزنه بوفاة الأديب العالمي، مؤكداً أنه شكل لديه ولدى جيله الكثير في الوجدان الثقافي من خلال القراءة في عالم محفوظ السحري والمدهش، مشيراً إلى أن الوعي الروائي لديه يكون من خلال الروايات الواقعية والجميلة التي أثرت على القارئ العربي.
** وقال الأديب أحمد جمعة: إن وفاة نجيب محفوظ تعتري شعور كل مثقف عايش الأجيال والأزقة التي كتب عنها، ولاشك أن رحيله ترك الأثر الكبير والحزن العميق بوجدان كل مثقف عربي، لكنه سيكون محفورا في قلب كل إنسان يعي دور المثقف في نشر المحبة والثقافة، واعتبر وفاته خسارة كبيرة باعتباره رمزاً من رموز الحضارة العربية والإسلامية ولكن هذا قدر الله.
متابعة: أنس الأموي ـ محمود أبو حامد ـ فاطمة الهديدي ـ عبير يونس