يبدو المسرح المرآة التي تعكس بطريقة فنية ونقدية حدثاً مهماً في حياتنا اليومية، فيمنح المرء القناعة بالبقاء والوجود والتجدد والتطور، وذلك عن طريق التجريب الذي سيظل سمة لصيقة بالفن عموماً وبالمسرح على وجه الخصوص،

حيث تتناغم العلاقة بين الفن والحياة، على اعتبار أن التجريب وعي بضرورة التطور في المسرح وفهم سير الحياة وحركتها في إطار الفن، وهو بالمقابل رؤية مستقبلية وتجليات مسرحية نحو التجدد والرقي، في سياق التغير الاجتماعي والفعل الحضاري.

وفي الوقت الذي مازال فيه مسرح «السيد حافظ»، يشكل نقطة استفهام نظراً للكم الهائل من التجارب التي أبدعها، وهذا ما دفع الباحثة «ليلى بنت عائشة» لتقديم دراسة نقدية مطولة عن «التجريب في مسرحه، مؤكدة أنه يشكل ثورة في المسرح العربي،

من خلال تجاربه العديدة والمتنوعة التي يفاجئ القارئ من خلالها في كل مرة بما يثير الانتباه ويبعث على التأمل وإمعان النظر والفكر، والتدقيق في كل ما يقدمه عبر نصوصه المسرحية التي يكتشف القارئ مع إبحاره في كل واحدة منها أنه يبحر نحو المجهول، لكنه سرعان ما ينجلي الغموض وتفك الرموز، فيستكشف أبعادها وتتجلى له ملامحها كما تتضح الأفكار والرؤى التي يحملها.

وقد خصصت الباحثة الجزائرية المدخل الأول من دراستها النقدية الصادرة عن مركز الحضارة العربية بالقاهرة، للتعرف على المسرحي المصري ومؤهلاته وظروف اكتسابه لقلم مكنه من تحقيق الكثير ـ باعتراف النقاد ـ في إطار الكتابة المسرحية،

ويأتي في مقدمتها الحصار المقام عليه وجيله من الكتاب، حيث أفردت صفحات للحديث عن أعماله المسرحية وغير المسرحية، كالتلفزيونية والإذاعية والسينمائية تحت عنوان «السيد حافظ ورحلة البحث عن الذات»، مقسمة البحث إلى ثلاثة فصول: ركزت في الأول على التجريب وما دار حوله من تساؤلات تخص المصطلح في حد ذاته،

والأصول المعرفية له، وتنوع المفاهيم حسب الرؤى المختلفة، وعلاقته ببعض المصطلحات الوطيدة الصلة به كالإبداع، مبينة موقعه في ظل مصطلحي الحداثة والتراث، مشيرة إلى بعض الأسماء اللامعة في مجال المسرج التجريبي في الغرب أمثال «ستانيسلافسكي» و«ليستراسبرج» و«إدوارد جوردن كريج» و«بيسكاتور» و«بيترشتاين» و«مايرهولت» و«أنتونين آرتو»،

كذلك أسس وشروط التجريب في المسرح العربي اعتماداً على شهادات بعض المسرحيين العرب على اختلاف مهامهم كتاباً ومخرجين ونقاداً، أمثال: هاتف الجنابي وسعد الله ونوس ويوسف إدريس ونعمان عاشور وغيرهم، متوقفة في هذا الفصل عند قضية مهمة في المسرح العربي وهي مشكلة التأصيل لتبين منطلقاتها وأبعادها وأهدافها،

ولتصل إلى التجريب في المسرح المصري خلال فترتي الستينات والسبعينات، باعتبارهما مرحلتين مهمتين في بلورة فكر وتجارب «السيد حافظ»، فالستينات كانت المرحلة التي سبقت بداية تجاربه ومرحلة المخاض الفكري والتوجه المسرحي لديه، أما السبعينات فمرحلة احتواها الكاتب واحتوت تجاربه وأعماله.

أما الفصل الثاني من الدراسة الجديدة فخصصتها الباحثة الجزائرية «لأنواع التجريب في مسرح السيد حافظ واتجاهاته»، محاولة تحديد مميزات وملامح مسرحه، بالحديث عن أنواع التجريب لديه وتجربته على مستوى الشكل والمضمون، وتجربته في مسرح الكبار ومسرح الطفل، وأهم مسرحياته كمسرحية «كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى» ومسرحية «حبيبتي أنا مسافر والقطار أنت والرحلة الإنسان»،

و«ممنوع أن تضحك ممنوع أن تبكي»، كذلك «6 رجال في معتقل 500/ب شمال حيفا»، و«علمونا أن نموت وتعلمنا أن نحيا» و«ظهور واختفاء أبو ذر الغفاري»، و«سندريلا» و«سندس»، «وعنترة بن شداد»، وغيرها من المسرحيات التي أسالت الكثير من الحبر واستهوت النقاد فتناولوها بالنقد والتحليل على حد تعبيرها.

وفي إطار حديثها عن أنواع التجريب واتجاهات المسرح عند «السيد حافظ»، رأت أنه اختار المسرح كفضاء للإبداع والخلق دون سواه من الألوان الأدبية الأخرى، رغم تجربته الرائدة في مجال كتابة القصة القصيرة من خلال مجموعته القصصية «سيمفونية الحب» التي تناولها النقاد بالدراسة والتحليل، وأشادوا بمستوى إبداعه في هذا المجال،

إلا أنه لم يرض للمسرح بديلاً لتجسيد طموحه وإيصال أفكاره التي يؤمن بها فكان صاحب الاتجاه الثوري بأبعاده الوطنية والقومية والعالمية، كما كان ذو اتجاه إنساني تحدث عن مفاهيم السلام والحب والعدالة والحرية، وناشد في كتاباته كل القيم الإنسانية الجمالية والروحية، لأنه ببساطة عاش بكل مشاعره وأحاسيسه قضايا الناس،

وحمل كل ما يشغل بالهم ويقض مضجعهم، ويحول دون حياتهم في ظل الأمن والسلام والاستقرار والسكينة، فكان بحق لسانهم وصوتهم الحي والمعبر عن كل ما يختلج بذواتهم، ويلمس أدق الأحاسيس التي لا يفصح عنها، لذلك حق أن يقال عن مسرحه بأنه مسرح الإنسان.

أما الفصل الثالث والأخير فقد خصصته للجانب العلمي التطبيقي تحت عنوان «تقنيات التجريب في مسرح السيد حافظ»، من التقطيع إلى المكان والزمان واختيار الشخصيات والأبطال، كذلك اللغة وطريقة توظيفه للتراث، راصدة أهم الأشكال التجريبية المسرحية التي اعتمدها الكاتب في مسرحياته كالمسرح الملحمي، ومسرح العبث، والمسرح التراجيكوميدي،

مبرزة مكانته في التجربة المسرحية العربية بعد أن اختارت مسرحية «إشاعة» من مسرح الكبار، ومسرحية «الأميرة حب الرمان وخيزران» من مسرح الطفل، قائلة أن «السيد حافظ» يعد الأب الروحي للمسرح التجريبي والطليعي العربي ورائده الذي حمل على عاتقه مهمة الارتقاء به وإخراجه من الدائرة المغلقة التي كان يدور في ظلها طيلة سنوات عديدة،

حيث اضطلع بمهمة خطيرة ومهمة في ذات الوقت وقد تطلب ذلك الكثير من التضحيات والصمود أمام الجمود الفكري لذوي العقول المتحجرة، ولا يزال يسير بخطى ثابتة على مساره ودربه الذي رسم حدوده بكل دقة.

دبي ـ أنس الأموي