رحل «نجيب محفوظ»، حاملاً معه سنوات عمره المديد الذي أمضاه في رصد ونقل هموم الناس البسطاء بواقعية حيناً ورمزية حيناً آخر، جعلت منه الكاتب العربي الأبرز الذي استحق لقب «شيخ الروائيين العرب» فلم ترهبه السنون ولا المحن ولا التحولات التي شهدها المجتمع المصري من عهود الخديوي إلى عهد الثورة وجمال عبدالناصر إلى مرحلة السادات، كتب وكتب بصبر وهدوء لا يعكره رضا حاكم أو سخط مسؤول، وإن آلمه لفترة تغييبه على الصعيد الرسمي لكنه يبقى صاحب القصرين وخان الخليلي والسكرية، الثلاثية التي فتحت له آفاق العالمية، وحققت له قصب السبق لينال جائزة نوبل للآداب، ومع ذلك بقي ملتصقاً بالناس وبوطنه، «مصر» التي أحبها ولم يغادرها إلا مرات قليلة.

عمل في مناصب إدارية عديدة: من مدير للرقابة على المصنفات الفنية، إلى مدير لمؤسسة دعم السينما، ورئيس مجلس إدارتها ورئيس لها، ليصبح بعد ذلك مستشاراً لوزير الثقافة لشؤون السينما، مما أتاح له الاطلاع على جماليات الفن السابع فقدم للسينما سيناريوهات أفلام: بداية ونهاية، الثلاثية، ثرثرة فوق النيل، اللص والكلاب، الطريق، مبتعداً عن أصل الأعمال الروائية التي قدمها في فترة سابقة.

صارع الموت مراراً وانتصر عليه عندما تعرض لمحاولة اغتيال نجا منها، ولكنه عانى بسببها الكثير من الوهن فلم يعد له الجلد على القراءة والمتابعة وحتى الكتابة، فعاونه الأصدقاء وتلاميذ مدرسته «مدرسة الحياة» بكل ما فيها، لذلك كان محبوه على يقين أن فترة نقاهته لن تطول، فروحه معلقة باليراع والناس وهواء النيل ورائحة الشوارع المكتظة بالطيبين، البسطاء، التائهين دوماً في زحمة الحياة.

فجاءت أعماله الأخيرة تحمل شارات التلويحة الأخيرة من «أصداء السيرة الذاتية» إلى «القرار الأخير» و «وطني مصر» و«صدى النسيان» و«فتوة العطوف»، وصولاً إلى «أحلام فترة النقاهة» التي طالت هذه المرة وأجبرته مرغماً للخلود إلى الراحة.

كثيرة هي الأقلام التي ستكتب عن نجيب محفوظ.. وأكثر منها فيض المشاعر التي سنراها تنطلق عفوية في أزقة القاهرة العتيقة، سيتذكر الحرافيش والمحترمون على حد سواء «نجيب محفوظ» الذي رفض بكل وطنية وإباء شهادة الدكتوراه الفخرية التي سارعت إحدى الجامعات العبرية لتقديمها له من باب «التسمح».

رغم أن البعض عاب عليه آراءه حول السلام، لكن لنتذكر جميعاً موقفه الأخير من الحرب العدوانية على لبنان وهو في غيبوبة المرض الأخيرة، فكان كلما يصحو من رقدته يسأل عن الأخبار، وكأن فؤاده ولع، واجف، مما يحدث في بلد عربي وديع قدم الكثير للأدب، فلم ينسى «شيخ الروائيين العرب» السؤال عنه في محنته، كنوع من رد الجميل.

اليوم تقف القاهرة لتنعيه، ليس فقط «الجمّالية» و«العباسية» و«الحسين»و«الغورية»، بل كل المدن والحواري والأزقة العربية، وقبل هؤلاء قرائه على مدى عقود طويلة.. أجيال من القراء العرب الذين تربوا على أدبه وحكاياته وفضائحه الجميلة الصادقة، استمتعوا برهافته الأدبية، تماماً كقراء إبداعاته التي ترجمت إلى أكثر من 33 لغة عالمية، وهو رقم لم يصل من قبل كاتب عربي في أي عصر من العصور.

ربما نحتاج اليوم إلى رثاء أنفسنا قبل رثاء «نجيب محفوظ» الذي سيبقى في ذاكرة الأدب العالمي، كما ستبقى رواياته وقصصه تأريخاً صادقاً غير رسمي لحياتنا التي تعكس قلقنا وتوجساتنا التي لا تنتهي.. لكنه قبل أن يرحل علمنا معنى التشبث بالحياة رغم كل الصعاب، وأرسل لنا رغم مرضه رسالة أمل وحب للحياة التي أعطته الكثير، فبادلها الإبداع والتميز وحب الناس كل الناس..

اليوم يرحل نجيب محفوظ تاركاً أرواحنا تحت المظلة تنتظر حكايات الحب تحت المطر، في قلب الليل والسراب، موقناً أن عصر الحب وليالي ألف ليلة وليلة، لم يعد إلا همس الجنون، لكن فلا حديث الصباح والمساء، ولا كل الثرثرات والمرايا قادرة على البوح والكلام..

رحل شيخ الروائيين العرب تاركاً أعماله وعباءته وعكازه وبردته، حتى لا يأتي يوم نقول فيه لم يكن في ذاكرتنا مبدع كبير بقامته.. تنفس هموم البشر وعاش مع أحلامهم ورحل تاركاً لهم 95 عاماً من الإبداع الحقيقي بعيداً عن الإدعاء.

alomawi@albayan.ae