يرحل بعد مكابدة إعياء المرض أديب نوبل العربي نجيب محفوظ تاركا محبيه ومريديه وأصدقاءه ومن أحبوه واهتموا بأدبه واعتنوا بإبداعه، أولئك الذين أعلنوا له مودتهم كما أعلنوا حاجتهم إليه كمعلم لهم أو لعامة الناس. من هؤلاء نطلع على بعض ما سطرته أقلام الأعلام من مجايليه ومعاصريه على مدى عقود.
ويطلعنا رجاء النقاش فيقول «إن أردت أن تفكر في أديب عظيم فسوف تجد نجيب محفوظ نموذجا حيا لذلك الأديب، وإن أردت أن تفكر في إنسان عظيم فسوف تجد أيضا في نجيب محفوظ نموذجا حيا لذلك الإنسان الجميل».
ويدلل على شيء من ذلك بالقول «عندما كنت رئيسا لتحرير مجلة الهلال أصدرت عددا خاصا عن نجيب محفوظ في فبراير 1970 وقد فتح لي نجيب قلبه وساعدني بكل ما يملك ويستطيع على إصدار هذا العدد في صورة قوية ناجحة، وعندما أضع هذا العدد أمامي الآن أشعر بأنه كان عملا ناجحا وممتازا بكل المقاييس وأن الفضل في ذلك يعود أولا وقبل كل شيء إلى نجيب محفوظ نفسه؛ ما ساعدني على أن أقدم عددا من أجمل الأعداد الخاصة التي أصدرتها الصحافة الثقافية العربية في هذا الجيل، وقد نفد العدد فور صدوره».
وفي السياق يصف النقاش كيفية تعرفه على نجيب محفوظ حيث يقول كنا قد قرأنا في بعض الصحف القديمة أن اسم نجيب محفوظ ينتهي بلفظ غريب هو (السبيلجي) ولم أكن أفهم معنى الكلمة وخطر لي انه اسم ينحدر إلى الأسرة من أيام المماليك حتى شرح نجيب الكلمة وان الأمر كله لا يعدو أن يكون نكتة أو فكاهة طريفة؛ فقد كان لي جد يعمل ناظرا لكتّاب من الكتاتيب القديمة، وكان لهذا الكتاب سبيل وكنت أحكي لأصدقائي هذه الحكاية فقال لي أدهم رجب اطلع (يابن السبيلجي) والسبيل كما هو معروف المكان الذي يعد ليشرب منه العابرون.(1995).
ومما جاء في دراسة أعدها محمد سلماوي احد تلامذة الأديب الراحل المقربين إليه حيث يقول عنه... انفتح أمامي عالم نجيب محفوظ القصصي الثري والذي هو كالكنز كلما عدت إليه متصورا أنك عرفته من قراءة سابقة وجدت فيه الجديد من معان وأعماق وجوانب فنية لا تسلّم نفسها للقارئ من أول قراءة، وإنما هي تعطي من القيمة الفنية بعدد مرات قراءتها.(1994).
ويكتب د.كمال أبو المجد عن محفوظ منطلقا من الرسالة الوجيزة التي وجهها محفوظ إلى الندوة التي نظمتها الأهرام تحت عنوان ( نحو مشروع حضاري عربي) بأن أي مشروع حضاري عربي لابد أن يقوم على الإسلام وعلى العلم) مطالبا إياه بالشرح فرد محفوظ أن أهل مصر الذين ادركناهم وعشنا معهم والذين تحدثت عنهم في كتاباتي كانوا يعيشون بالإسلام ويمارسون قيمه العليا...
وأحب أن أقول انه حتى رواية أولاد حارتنا التي أساء البعض فهمها لم تخرج عن هذه الرؤية إلا أن مشكلة أولاد حارتنا منذ البداية أنني كتبتها «رواية» وقرأها بعض الناس «كتابا» والرواية تركيب أدبي فيه الحقيقة وفيه الرمز وفيه الواقع وفيه الخيال، ولما تبينت أن الخلط بين الرواية والكتاب قد وقع فعلا عند بعض الناس، وأنه أحدث ما أحدث من سوء فهم اشترطت ألا يعاد نشرها إلا بعد أن يوافق الأزهر على هذا النشر(الأهرام 29 ديسمبر1994).
ويحمل العدد 586 من مجلة الرسالة لسبتمبر 1944 رأيا لسيد قطب حيث يقول لقد ظللت سنوات وسنوات أقرأ ذلك التاريخ الميت الذي نعلمه في المدارس عن مصر في جميع عصورها، والذي لايعلمنا مرة واحدة أن مصر هذه هي الوطن الحي الذي يعاطفنا ونعاطفه..
ظللت أستمع إلى الأناشيد الوطنية الجوفاء التي لا تثير في نفوسنا إلا حماسة سطحية كاذبة لأنها لاتنبع من صلة حقيقية بين مصر وبيننا، كنت أرى الطابع القومي واضحا بجانب الطابع الإنساني في آداب كل امة ولا سيما الشعر والقصة بينما أرى الطابع المصري باهتا متواريا في أعمالنا الفنية مع بلوغنا درجة عالية تسلك بعضها بين أرقى الآداب العالمية.
إن بيننا وبين الآثار المصرية والفنون والحياة والأحداث هوة عميقة من الزمن واللغة ومن الإهمال والنسيان. كنت أعلم أن القصة والملحمة هما خير الوسائل إلى تحقيق هذه الصلة التي نشدتها طويلا. اليوم أتلفت فأجد بين يدي القصة والملحمة كلتاهما في عمل فني واحد في (كفاح طيبة) قصة الوطنية المصرية قصة النفس المصرية؛ قصة «كفاح طيبة» هي القصة الوطنية المصرية، وقصة النفس المصرية تنبع من صميم قلب مصري يدرك بالفطرة حقيقة عواطف المصريين.
ونحن لا نطمع أن يحس «المتمصرون» حقيقة هذه العواطف وهم عنها محجوبون نعم هؤلاء هم المصريون.. قد يخضعون للضغط السياسي والنهب الاقتصادي؛ لكنهم يجنّون حين يعتدي عليهم معتد في الأسرة أو الدين؛ تفيض نفوسهم بحب الأرض وحب الأهل فلا يرتحلون عنها إلا لأمر عظيم. لو كان لي من الأمر شيء لجعلت هذه القصة في يد كل فتى وفتاة، ولطبعتها ووزعتها على كل بيت بالمجان. ويؤكد سيد قطب أنه لا يعرف الكاتب شخصيا ولو عرفه لأقام له حفلا لتكريمه. إنها قصة وملحمة للكاتب الشاب نجيب محفوظ.
إعداد: فاطمة محمد الهديدي