توفي صباح أمس الأربعاء في القاهرة الروائي المصري نجيب محفوظ الحائز جائزة نوبل للآداب للعام 1988 اثر إصابته بجلطة في القلب. وأعلن مصدر في وزارة الداخلية المصرية أن جثمان نجيب محفوظ سيشيع ظهر اليوم الخميس من مسجد آل رشدان في مدينة نصر بجنازة عسكرية قد يحضرها الرئيس المصري حسني مبارك.

وقال بعض المقربين من نجيب محفوظ رفضوا ذكر أسماؤهم أن اختيار مسجد آل رشدان للصلاة على جثمان الفقيد قد يعني إمكانية مشاركة الرئيس المصري تشييع الجنازة. وذكرت مصادر طبية في المستشفى أن محفوظ أصيب في الساعة 00 ,19 بالتوقيت المحلي (00 ,17 تغ) من الثلاثاء بجلطة في القلب تمت السيطرة عليها، لكن الحالة إصابته مجدداً عند الساعة الثامنة (00 ,6 تغ) من اليوم مما أدى إلى وفاته.

وقال رئيس الفريق المعالج حسام موافي في مؤتمر صحافي قبل ظهر أمس إن «فشلاً تنفسياً حدث نتيجة الالتهاب الرئوي ونظراً لكبر السن (95 عاماً) توقف القلب لأكثر من مرة حيث جرى إنعاش القلب ثم تلي ذلك انخفاض في ضغط الدم».

وتابع أن «عدة محاولات جرت في الساعة السابعة (00 ,5 تغ) من صباح أمس لتنشيط القلب إلا أن الوفاة حدثت نتيجة تدهور حالة القلب». وكان محفوظ ادخل إلى المستشفى لإصابته بمشاكل في الرئة والكليتين في العاشر من أغسطس الجاري. وقبل ذلك ادخل في 16 يوليو المستشفى نفسه الواقع في العجوزة بعد أن سقط وأصيب في رأسه.

ويعتبر محفوظ أشهر روائي عربي حيث امتدت رحلته مع الكتابة أكثر من 70 عاماً وأثمرت حوالي 50 رواية ومجموعة قصصية ومسرحية قصيرة فضلا عن كتب أخرى ضمت مقالاته في الشؤون العامة. وراهن محفوظ منذ أكثر من 60 عاما على فن الرواية وقفز بها إلى صدارة فنون الكتابة بعد أن كانت في النصف الأول من القرن العشرين في مرتبة متأخرة بعد الشعر وفن المقال.

وتوجت رحلته مع الكتابة عام 1988 بالحصول على جائزة نوبل في الآداب ولا يزال العربي الوحيد الذي حصل عليها في هذا المجال.

ولد محفوظ في حارة درب قرمز الواقعة في ميدان بيت القاضي بحي الجمالية بالقاهرة القديمة يوم 11 ديسمبر كانون الأول عام 1911 وفي سن الرابعة ذهب إلى كتاب الشيخ بحيري في حارة الكبابجي بالقرب من درب قرمز قبل أن يلتحق بمدرسة بين القصرين الابتدائية. ثم انتقلت الأسرة عام 1924 الى حي العباسية.

وحصل محفوظ على شهادة البكالوريا من مدرسة فؤاد الأول الثانوية والتحق بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول «القاهرة الآن» وتخرج في قسم الفلسفة عام 1934.

وكان يعد نفسه لمهمة أخرى غير كتابة الرواية اذ كان مفتوناً بالفلسفة وبدأ حياته وهو بالجامعة محررا في مجلة «المجلة الجديدة» التي كان يصدرها الكاتب المصري سلامة موسى «1887 - 8591» ونشر أول مقال له في أكتوبر 1930 بعنوان «احتضار معتقدات وتولد معتقدات».

وعقب تخرجه عمل كاتبا في إدارة جامعة القاهرة حتى عام 1938 وفي تلك الفترة التحق بالدراسات العليا وبدأ يعد لرسالة الماجستير بعنوان «مفهوم الجمال في الفلسفة الإسلامية» تحت إشراف الشيخ مصطفى عبد الرازق.

ونشرت رواية محفوظ الأولى «عبث الأقدار» عام 1939 بالمصادفة حيث كتبها «كما قال للناقد المصري الراحل غالي شكري» في الفترة من سبتمبر 1935 الى ابريل عام 1936 من دون أن يعلن ذلك لأحد الى أن سأله سلامة موسى عما يشغله فأجاب محفوظ: «إنني أتسلى وأكتب بعض الحكايات في أوقات الفراغ».

وطلب موسى نموذجا مما كتب فأعطاه محفوظ مسودة «عبث الأقدار» ثم فوجئ ذات يوم بمن يطرق بابه ويعطيه النسخ الأولى من الرواية وكانت تلك النسخ أول أجر يحصل عليه من الكتابة.

ونفذ محفوظ من خطته ثلاث روايات فقط هي «عبث الأقدار» عام 1939 و«رادوبيس» 1943 و«كفاح طيبة» عام 1944 ثم انفعل بالأحداث السياسية بعد الحرب العالمية الثانية وآثارها على المجتمع المصري وقدر أن الاستمرار في الكتابة عن مصر الفرعونية وسط عواصف الواقعية نوع من الترف فانتقل الى مرحلة روائية جديدة.

وبدأت المرحلة الثانية «الواقعية» في مسيرة محفوظ منتصف الأربعينات بنشر رواية «القاهرة الجديدة» وأتبعها بعدد من الروايات الواقعية «خان الخليلي» و«زقاق المدق» و«بداية ونهاية». وقال انه انتهى من كتابة الثلاثية الشهيرة «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية» قبل قيام ثورة يوليو 1952 في مصر.

واعترف محفوظ بأنه تخلص بعد قيام الثورة من مشاريع روائية عن الفترة السابقة نظرا لتغير الواقع. كما سبق أن استغنى عن كتابة الأعمال الفرعونية التي خطط لها في بداية مشواره الأدبي مشيرا الى أن شرط الكتابة ألا تكون جيدة فقط بقدر ما تكون ضرورية.

وتوقف محفوظ عن الكتابة سبع سنوات حتى عام 1959 بحجة أن العالم القديم الذي كان يسعى إلى تغييره بالإبداع تغير بالثورة. وكانت المشاريع الروائية جاهزة لكن حافز الكتابة غير موجود ثم اكتشف أن للواقع الجديد أخطاءه فكتب رواية «أولاد حارتنا» التي نشرتها صحيفة الأهرام القاهرية كاملة رغم رغم اعتراض كثير من رموز التيارات المصرية المحافظة ولم تطبع الرواية في كتاب داخل مصر الى الآن.

ولكن الكاتب اللبناني سهيل إدريس نشر «أولاد حارتنا» في دار الآداب البيروتية التي يملكها وظلت النسخ تصل الى من يريد قراءتها في مصر بدون اثارة أزمات الى أن حصل محفوظ على جائزة نوبل عام 1988 فأعيد فتح الملف من جديد وصدرت عن الرواية كتب ذات طابع تحريضي منها «كلمتي في الرد على نجيب محفوظ» للشيخ عبد الحميد كشك.

وتجاوز محفوظ في الستينيات أزمة (أولاد حارتنا) بالانشغال بكتابة أعمال ذات طابع رمزي يجسد فلسفة الشك والبحث عن يقين وغاية للحياة وهي روايات (اللص والكلاب) و(السمان والخريف) و(الطريق) و(الشحاذ) و(ثرثرة فوق النيل) و(ميرامار) فضلا عن عدد من المجموعات القصصية منها (خمارة القط الأسود) و(تحت المظلة).

وسبب بعض هذه الأعمال مشاكل عارضة لمحفوظ مع نظام جمال عبد الناصر الذي توفي عام 1970 الا أنها جميعا نشرت مسلسلة في صحيفة الأهرام الحكومية كما طبعت في كتب وأنتجتها السينما وسمح بعرض الأفلام بعد احتكام الرقابة أحيانا الى الرئيس عبد الناصر.

وصدرت رواية (الكرنك) عام 1974 وهي الوحيدة بين أعمال محفوظ التي تحمل تاريخ الانتهاء من كتابتها (عام 1971) واعتبرها النقاد من بين أعمال محفوظ الأقل شأنا من الناحية الفنية بعد سلسلة من الروايات الأكثر عمقا والتي انتقد فيها النظام بكثير من القسوة التي احتملها الطرفان.

وفي عام 1977 نشر محفوظ إحدى أهم رواياته (ملحمة الحرافيش) واعتبرها بعض النقاد إعادة صياغة لروايته (أولاد حارتنا) بينما رأى آخرون أنها أبرز أعماله.

وحظي محفوظ بعدد من الجوائز في مسيرته بدأت بجائزة قوت القلوب الدمرداشية عن رواية (رادوبيس) عام 1943 ثم حصل عام 1944 على جائزة وزارة المعارف (التربية والتعليم الآن) عن (كفاح طيبة) وجائزة مجمع اللغة العربية عام 1946 عن (خان الخليلي) وتوجت الجوائز المصرية بجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1970 وعندما أقرت جائزة مبارك كأرفع الجوائز المصرية كان محفوظ أول فائز بها عام 1999.

وأشار تقرير نوبل الى أن الأعمال التي حاز عنها الجائزة عام 1988 هي رويات (أولاد حارتنا) و(الثلاثية) و(ثرثرة فوق النيل) والمجموعة القصصية (دنيا الله).

وكانت المجموعة القصصية (صباح الورد) ورواية (حديث الصباح والمساء) اللتين صدرتا عام 1987 آخر ما نشر للكاتب قبل فوزه بجائزة نوبل. وبعد الجائزة ردد محفوظ أنه أصبح موظفا عند السيد نوبل في إشارة الى أن الجائزة حرمته نعمة الهدوء وجعلته موضع الاهتمام الإعلامي حيث طاردته كاميرات التلفزيون وأربكت برنامجه اليومي وغيرت عاداته في الكتابة.

وكتب محفوظ رواية (قشتمر) قبل فوزه بالجائزة ولكنها صدرت في تاريخ لاحق مع عدد من المجموعات القصصية التي صدرت في السنوات الماضية. ونشر محفوظ «أصداء السيرة الذاتية» مسلسلة عام 1992 ثم صدرت في كتاب عام 1996.

وتحت عنوان: كتاب القرن« أصدرت مجلة نصف الدنيا القاهرية ملحقا مع عددها الصادر يوم 21 فبراير شباط عام 1999 ويضم 59 قصة.. آخر ما كتب صاحب نوبل» وسبق أن نشرت بعض قصص ذلك الملحق في مجموعة سابقة صدرت عام 1996 عنوانها «القرار الأخير».

وتعرض الكاتب لمحاولة اغتيال بالسكين في أكتوبر عام 1994. وعمل محفوظ موظفا في وزارة الأوقاف الى أن بلغ الستين وخلال سنوات وظيفته تولى إدارة الرقابة على المصنفات الفنية ثم عمل مديرا عاما لمؤسسة دعم السينما عام 1960 ومستشارا للمؤسسة العامة للسينما والإذاعة والتلفزيون عام 1962 وعين رئيسا لمجلس إدارة المؤسسة العامة للسينما عام1966 ثم أصبح مستشارا لوزير الثقافة لشؤون السينما عام 1968. وأحيل محفوظ الى المعاش في ديسمبر 1971 وواصل كتابة مقاله كل خميس بصحيفة الأهرام.

القاهرة ـ «البيان» والوكالات: