مازال الفن القصصي سيد الأجناس، بدءاً من الأساطير والملاحم، مروراً بالشعر الجاهلي، والقص في القرآن الكريم، والمقامات والرسائل وأدب الرحلات، وانتهاء بألف ليلة وليلة، التي تتشكل في دائرية سردها من حكاية داخل حكاية، تقودك إلى حكاية جديدة، تقودك إلى.. وهكذا.

القصة مبثوثة خلسة أو عنوة أو تختال واضحة في كل الأجناس الأدبية، حين تتحدث عن حبكة ما، أكانت في النص المسرحي أم الروائي، تتساءل: أين الحكاية؟ ولا يخفى على أحد ذاك الاختلاط الحادث بين الرواية والقصة الطويلة، أو ذاك التداخل بين الجنسين أصلا.

في الشعر يستعيض الكبار من الشعراء عن الحبكة أو الحكاية، بما هو أكثر تكثيفاً وإيحاء ودلالة، بما يسمى ب « الرؤيا » أي أن تخرج من القصيدة بمغزى ما - يشكل حكاية خاصة بكل قارئ أو مستمع للقصيدة، يصيغها حسب وعيه وفهمه- قد يكون بتحريك أسئلة إنسانية ما، أو التحريض على إثارة شيء ما، أو تفجير أحاسيس راكدة، أو تصورات معينة، وهذا لا يعني أبداً عدم الاتكاء على فن القصة بشكل مباشر أيضاً، فالكثير من قصائد الشعراء العظماء تعتمد على هذا الفن، ببساطته وتعقيده، من وصف الرحلات والصحراء والصراع مع الحيوانات المفترسة، إلى رباب ربة البيت، وصولا إلى المومس العمياء.

اللافت في الأغاني العربية، أن الرحابنة هم الأندر والأكثر إجادة لمسرحة الأغنية وإدخال الفن القصصي عليها، وكلنا يعلم استخدامهم لفن الحوار والقصص عبرأشعارهم الجزلية، التي يتوجونها في مسرحيات غنائية ممتعة وراقية، وربما كانت قصة شادي من أهم الأغاني التي غنتها فيروز رغم طابعها المأساوي أو الحزين، مع محاولة الرحابنة إصباغ الموت بعبارات رقيقة، لكنها أضفت عند البعض على ما يبدو حزناً أكبر،

ووقعاً أشد: « ويوم من الأيام ولعت الدني، ناس ضد ناس علقوا بهالدني، وصار القتال يقرب على التلال، والدني دني، وعلقت على أطراف الوادي، شادي ركض يتفرج، خفت وصرت اندهله، وينك رايح يا شادي، اندهله ما يسمعني، ويبعد يبعد بالوادي، ومن يومتها ما عدت شفته، ضاع شادي، والثلج اجه وراح الثلج، عشرين مره اجه وراح الثلج، وانا صرت اكبر وشادي بعده صغير، عم يلعب عا التلج.

رغم كل هذا فإن اللافت هو ابتعاد الكثير من المبدعين عن محاولة خوض تجربة الكتابة القصصية من جهة، وترك كتاب القصة لهذا الفن واتجاههم لكتابة الرواية من جهة ثانية، رغم تناسب القصة مع معطيات العصر، وهذا في حد ذاته يثير أسئلة جديدة عن سيد الأجناس الأدبية، هل تكمن المشكلة في اللغة القصصية أم في البناء؟ أم لم تعد مساحة القصة تتسع لهموم عصرنا؟ ولماذا كتب تشيخوف، ويوسف ادريس القصة القصيرة حتى مماتهما؟ ولماذا عزيز نسين كتب حينما توقف الآخرون؟

abuhamed@albayan.ae