بصراحته المعهودة يفتح د.حسن عطية باب الأسئلة الموصودة عن حال النقد الإبداعي والصحافي مشدداً على ضرورة الخروج من صيغة المسرح الأحادي العاجز عن إيجاد صراعات حقيقية بين الآراء والأفكار، للوصول إلى نوع من التكامل بين جميع الفنون التشكيلية والإبداعية، دون الاغتراب في الزمان أو المكان من منطلق أن الإبداع بحاجة دائماً إلى الدربة والممارسة والدراسة الأكاديمية المتكاملة..

* ضمن السجال الدائم عن أزمة المسرح العربي، ومن خلال متابعتك الأكاديمية والنقدية أين تكمن علة هذا المسرح، هل هي في النص أولاً أم بالممثل أم المخرج أم في عناصر أخرى غائبة؟

ـ يبدو لي أن علة المسرح العربي علتان: الأولى مر بها في فترة من الفترات تحت عنوان التأصيل فبدأ يبحث عن جذور له في المقامات والتراث القديم، وبدل أن يتصدى لقضاياه الحقيقية الواقعية، انشغل بالشكل المسرحي والدرامي أكثر من انشغاله بالمضمون أو الرسالة المفترض إيصالها للجمهور، فانفصل عن لحظته الزمنية المعيشة وغرق في الماضي البعيد ليؤكد أنه يمتلك هذه الأصالة الموجودة في بلدان أوروبا بالذات،

كما انشغل وأصيب بعلة التجريب، فبدأ يبحث عن أساليب وأشكال مرتبطة دائماً بالتجريب الغربي فاغترب في المكان بعد أن اغترب أولاً في الزمان، فلم يستطع التواصل مع جمهوره فابتعد عنه، حتى عندما حاول أن يتصدى لبعض القضايا المثارة على أرض الواقع، قدمها بأساليب لا تستطيع الوصول بسهولة.

* لماذا لم يكن للنقد الأكاديمي دور في تقويم هذه العلل التي أشرت إليها؟

ـ النقد له مهمة أساسية وهي التحاور مع الإبداع بغرض أن يكون مرآة حقيقية، يتفاعل معه على درب تطوير وعي المواطن العربي، لكن للأسف أصبح هناك ثلاثة مسارات للنقد المسرحي العربي حالياً: الأول إعلامي، إخباري، انطباعي يهتم كثيراً بالعلاقات الشخصية مع الفرق، يهتم بالنجوم على حساب النص والعمل الفني، والثاني يأخذ بالنقد الأكاديمي النظري المنعزل والمنشغل أيضاً بالاتجاهات ما بعد الحداثة،

والذي يلوك ألفاظاً ومصطلحات من قبيل «التناص» و«التوازي» وتحميل النص المسرحي فوق ما يحتمل، أما المسار الثالث فهو المسار التطبيقي الذي يستطيع تفهم النظريات الحديثة لكنه مغيب عن الصحف ووسائل الإعلام المختلفة ومغيب أيضاً عن المجلات والدراسات المتخصصة، وحائر بين الفريقين، لذلك يبدو الوصول إليه صعباً حتى على الجمهور.

* ما دام الأمر كما وصفت.. هل عانيت وأنت تواظب على تقديم زاويتك النقدية الأسبوعية «أضواء المسرح»؟

ـ بالتأكيد.. لأن الجريدة التي أكتب بها هي أيضاً جريدة مهتمة بالصحافة والنجوم والأخبار السريعة، وجمهورها عام جداً، لذلك من المطلوب مني كناقد محترف في هذا المجال، أن أكون على دراية واعية تماماً بنوعية الجمهور المتلقي لرسالتي، وأن أتفاهم معه بلغة سهلة، وبأسلوب سلس ومباشر، وبقدر كبير من التعريف بفنون المسرح الحقيقية والتعليم المغلف ببساطة والمكتوب بشكل غير صعب، وبالتالي زاويتي في «أخبار النجوم» تختلف عن كتابتي في المجلات المتخصصة.

* لكن ألم يتأثر نشاطك النقدي والإبداعي بإدارتك للمعهد العالي للفنون الشعبية؟

ـ بالتأكيد العمل الإداري يقلل كثيراً من النشاط النقدي، لأنه يدفعني للانشغال بمسائل إدارية أكثر منها مسائل فنية أو أكاديمية، لكن المعهد بالمحصلة ليس بعيداً عن دراستي وتخصصي، فأول كتاب صدر لي منذ 16 عاماً، كان بعنوان «الثابت والمتغير ـ دراسات في المسرح والفنون الشعبية»، لهذا يمكنني القول أن دراستي مرتبطة بالفنون الشعبية وبفهم الفن كاحتياج اجتماعي نعبر من خلاله عن أنفسنا بالكتلة أو الحركة أو الكلمة.

ولهذا وجدت أن المجتمع العربي لم يبحث عن المسرح إلا في منتصف القرن التاسع عشر عندما احتاج إليه احتياجاً حقيقياً بعد مرحلة طويلة من إلغاء الرأي الآخر، ومع أننا نحتاج إلى المسرح لكننا لم نستطع بعد أن نحوله بعد، إلى حياة حقيقية نعيش فيها ونتوجه إليه مثلما نتوجه إلى أي فن آخر كالشعر والغناء وأي فن آخر.

* وأنت تتحدث عن علاقة النقد الإعلامي بالنجوم والممثلين، هل ينسحب ذلك على لجان التحكيم في المهرجانات والمسابقات الرسمية؟

ـ بما أن لجان التحكيم تختلف من مهرجان لآخر حسب طبيعة التكوين الخاص لكل لجنة، والتي غالباً ما تصدر أحكامها من زاوية محددة جداً أو من مجموعة زوايا تحاول أن تلتقي حول فكرة معينة قد تختلف مع رأي بعض النقاد الموجودين، أو تختلف مع رأي الجمهور، والفرق نفسها التي تتخيل أنها ستفوز لأنها قدمت الأفضل، خاصة عندما تقام مجموعة من الندوات التطبيقية ويخرج من يخرج لكي يعظم هذه الفرقة أو يسفه ذاك العرض، وبالتالي تصبح نتيجة التحكيم ذات شق بعيد عما تم ترويجه داخل المهرجان وتصبح لجان التحكيم متهمة بالتحيز ومظلومة دائماً..؟!

* برأيك هل حدث ذلك في الدورة الأخيرة لأيام الشارقة المسرحية؟

ـ حتى نكون منصفين.. يجب أن نشير إلى أن بعض العروض كانت جيدة جداً، وبعضها غير مؤهلة لدخول المهرجان أصلاً، كما تم تمجيد بعض العروض لصالح مخرج أو فرقة لأسباب أو لأخرى، وقد كانت لجنة التحكيم بعدد أعضائها القليل جيدة، قريبة من آراء النقاد وغالبية الجمهور المحايد غير المتصل الاتصال الوثيق بالفرق المشاركة.

* على هذا الأساس كيف تصف تجربة المسرح الإماراتي؟

ـ ما زال مسرحاً بكراً رغم مرور السنوات ونحن عندما نتحدث عن 16 عاماً أو 20 عاماً على أبعد تقدير، في الوقت الذي نشير إلى 170 عاماً في مصر، و25 قرناً في أوروبا، ومع ذلك يمكن القول بكل ثقة أنه يمتلك الموهبة أكثر من امتلاكه التقنية والقدرة على سبر أغوار الحياة لكنه ما زال يبحث عن الأساليب الصحيحة للوصول إليها، كما ما زال يبحث عن صياغة صحيحة للاحتراف، باعتباره مسرحاً هاوياً، على الرغم من وجود معهد للفنون المسرحية منذ عام 1999، ومع هذا لم يفتتح حتى الآن لسبب أو لآخر..

وهذه مسألة بحاجة إلى إعادة لأن المسرح الإماراتي بحاجة إلى الاحتراف الحقيقي بشرط أن يتوازى هذا مع مستوى الجامعي وألا يعتمد فقط على الورش أو مجموعة من الدراسات التمهيدية العابرة، إنما لا بد أن يكون هناك دراسة حقيقية لفن المسرح، لأنه في النهاية فن يحتاج إلى دربة وممارسة ودراسة أكاديمية متكاملة حتى يمكن لنا مواجهة الاحتراف على مستوى العالم، وهذا ما نراه غالباً في مهرجان قرطاج أو القاهرة للمسرح التجريبي.

وعندما تدخل المسابقة عروض من «الإمارات» و«السعودية» جنباً إلى جنب مع عروض من «سويسرا» أو «إسبانيا» مثلاً، يظهر الفرق الشاسع الكبير بين صياغة النص المسرحي، وبين بناء العرض المسرحي، وتقنيات الأداء الصوتي والجسدي، وأيضاً قدرة الممثل على استخدام جسده بشكل جيد، خاصة ونحن نعيش في مجتمعات عربية ترتد إلى الوراء،

تحبس الجسد في مغاليق متزمتة سواء للأنثى وللرجل بلا استثناء، لذلك من الصعب الحديث عن التعبير الجسدي والمسرح القادر أن يعبر بالحركة عما يجيش في داخل الإنسان، ونحن نحاصر هذا الجسد كما نحاصر العقل في المجتمع العربي بأكمله، فتكون المحصلة مسرحاً أحادياً مونولوجياً غير قادر على إيجاد صراع حقيقي بين الآراء المختلفة.

* أخيراً.. بين النقد المسرحي والسينمائي أين تجد نفسك أكثر؟

ـ أنا في السينما هاو وفي المسرح محترف.. واستطيع القول أن السينما هي أقرب إلى قلبي ووجداني وإلى مرحلة العشق، بينما المسرح الأقرب إلى عقلي وإلى الزوجة الشرعية، بينما السينما هي المعشوقة التي تستهويني لأنها أكثر رهافة وانفتاحاً وقدرة على النفاذ إلى الإنسان عبر صور متعددة جداً، وفي نفس الوقت أعتقد أنه ليس هناك انشقاق داخلي بين المسرح والسينما، وإنما هو نوع من التكامل كما تتكامل الموسيقا والباليه والفنون التشكيلية والإبداعية الأخرى

حوار: أنس الأموي