تمر هذه الأيام، الذكرى التاسعة عشرة لرحيل رسام الكاريكاتير الفلسطيني (ناجي العلي) الشاهد ـ الشهيد على الجرح الفلسطيني المفتوح منذ العام 1948 وحتى اليوم، وعلى خلفياته وتداعياته وتجارة بعض العرب فيه. ولأن ناجي العلي كان ضمير الشارع العربي ونبضه وعينه، فقد دأب على تعرية المؤامرات التي تُدار في الخفاء ضد شعبه وأمته، وفضح صناعها، ما دفعهم لاغتياله بإطلاق الرصاص عليه في لندن بتاريخ 22/7/1987 حيث نُقل إلى المستشفى وظل معلقاً بين الحياة والموت إلى أن وافته المنية في 29/8/1987.
ولد الفنان الراحل في قرية الشجرة بفلسطين عام 1936. شرد من فلسطين عام 1948 فلجأ إلى مخيم (عين الحلوة) في لبنان حيث عاش حياة صعبة وقاسية مفعمة بالمعاناة، ما جعله يشيح النظر عن الدراسة والتوجه إلى العمل في الحقول والمصانع، لكنه عاود فيما بعد دراسته وحصل على دبلوم الميكانيك.
في العام 1957 سافر إلى السعودية وأقام فيها لمدة سنتين عاد بعدها إلى لبنان ليدخل الأكاديمية اللبنانية للرسم عام 1960، لكنه لم يتمكن من متابعة الدراسة فيها أكثر من شهر، نتيجة ملاحقة الشرطة اللبنانية له وإيداعه السجن لحوالي العام.
في العام 1963 سافر إلى الكويت وعمل في مجلة (الطليعة) رساماً ومخرجاً ومحرراً. ثم عمل في جريدة (السياسة) الكويتية و(السفير) اللبنانية. وفي العام 1979 انتخب رئيساً لرابطة رسامي الكاريكاتير العرب.
نفذ الفنان ناجي العلي مئات الرسوم الكاريكاتيرية السياسية والاجتماعية، جلها يدور حول قضية فلسطين والقضايا العربية المختلفة، نشرها في العديد من الصحف والمجلات داخل البلاد العربية وخارجها،
كما أخذ البعض منها طريقه إلى كراسات وكتب منها (كاريكاتير ناجي العلي) الصادر عن المركز العربي للمعلومات (ش.م.م) في بيروت عام 1983 وفيه 364 رسمة منفذة بالأبيض والأسود، تتحدث عن الهم الفلسطيني بشكل خاص، والهم العربي بشكل عام،
وقد قدم له الكاتب (طلال سلمان) رئيس تحرير صحيفة «السفير» اللبنانية والشاعر الفلسطيني «محمود درويش». فتحت عنوان «ناجي العلي اسمنا الحركي» قال «سلمان»: (ناجي العلي هو «الاسم الحركي لفلسطين» ومن ثم فهو «الرسم الحركي» لقضية الثورة بوصفها الطريق الذي لا طريق غيره للعودة والتحرير وإنهاء ليل القهر الاستعماري الطويل).
وأضاف: (ناجي العلي هو الشجرة، ابنها، ظلها وجذورها الغارس في الطين، يشد البحر إلى البحر، ويربط المشرق بالمغرب بشرايينه، فهؤلاء هم أهله ولو كرهوا أو تنكروا له بما هو حقيقتهم والمشهِّر اليومي بعجزهم المتعاظم.
ولأن ناجي العلي هذا ابن النكبة فهو الحالم الأبدي بنصر لابد أن يأتي، وهو المحرض الدائم و«المشاغب» المستقوي بالحلم على الواقع المر، ومن هذا تكتسب لهجته ـ ريشته تلك النكهة الساخرة حتى لتنخر العظام نخراً).
وتحت عنوان «ناجي العلي خبزنا اليومي» قال «درويش»: (خط.. خطان.. ثلاثة ويعطينا مفكرة الوجع البشري. مخيف ورائع هذا الصعلوك الذي يصطاد الحقيقة بمهارة نادرة، كأنه يعيد انتصار الضحية في أوج ذبحها وصمتها.
ودائماً أتساءل: من دَلَّهُ على هذا العدد الكبير من الأعداء الذين ينهمرون من كل الجهات، ومن كل الأيام، ومن تحت الجلد أحياناً؟) ثم يؤكد «درويش» قائلاً: (إنسانيته المرهفة التي تدله. الإنسان الطاهر فيه أشد حساسية من رادار معقد، يسجل بوضوح ساطع كل مخالفة تعتدي أو تحاول الاعتداء.
إنه الحدس العظيم، والتجربة المأساوية. فلسطيني واسع القلب، ضيق المكان، سريع الصراخ، وطافح بالطعنات، وفي صمته تحولات المخيم). ثم يضيف: (وهذا الفنان قليل الاكتراث بالفن، هكذا يبدو لي بقدر ما هو فنان. ولا يبدو لي أن الفن يفرحه أكثر من ذلك، لا يبدو أن الفن يعنيه، لأن الفن يسيل من أطراف أصابعه، ولأنه ممتلئ بالناس الذين لا ينضبون).
ارتبطت رسوم الفنان (ناجي العلي) بشخصية لم تفارقها أبداً هي (حنظلة) الطفل الفقير الذي يدير ظهره للمتلقي، بحيث تحولت هذه الشخصية إلى توقيع الفنان، و(حنظلة) هذا، كما يقول الفنان (العلي) هو طفل من (عين الحلوة) وعد الجماهير أن يظل محافظاً على روحه، وهو نوع من المخاطبة الذاتية للقراء.
وقد تعمد رسم شعره كالقنفذ لأن القنفذ سلاحه في شعره، وقد تعمد رسمه حافياً بشكل دائم تحول معها (حنظلة) إلى أيقونة تحفظ الفنان، وإلى علامة للرفض تتبدى في وضعه ليده وراء ظهره من دون أن يتكلم، وهذه الحركة شكلها الفنان (العلي) بعد حرب تشرين،
حيث شعر أن هذا الطفل أصبح ضميراً قومياً، يقف بأفق إنساني، هو ليس فقط ابن عين الحلوة، بل هو ابن النيل وابن الخليج وباقي المناطق العربية. يرى الشاعر الفلسطيني «سميح القاسم» أن (ناجي العلي) الظاهرة الأكثر سخونة وإرباكاً في فن الكاريكاتير العربي على امتداد العقود الخمسة التي سبقت وفاته،
وقد خرج من دائرة الانتماء الوطني إلى دائرة الانتماء القومي فالإنساني. أما الشاعر اللبناني (عباس بيضون) فيرى أن (العلي) أشهر فنان فلسطيني وهو من كبار رسامي الكاريكاتير ومن الفنانين النادرين الذين يتاح لهم أن يغزوا ضمير شعب، وأن تتكلم أعمالهم بلسان شعب.
أخلص ناجي العلي لفنه وقضيته إلى آخر قطرات دمه. استشرف المستقبل، وبشّر بثورة أطفال الحجارة، والانتفاضة الفلسطينية الباسلة في وجه المحتل الإسرائيلي، وكان مجابهاَ عنيداً للمتخاذلين، وسماسرة الأرض والأوطان، وأعداء الأمة.
تعرض الفنان العلي لتهديدات كثيرة من أبناء شعبه وأمته قبل عدوه، ومع ذلك لم يستكن أو يلين أو يتراجع عن المبادئ التي آمن بها، وسخّر فنه من أجلها، ومن ثم، دفع حياته ثمناً لهذه المواقف. فقد تلقى يوماً تهديداً من شخصية فلسطينية معروفة تقول إنهم سيحرقون أصابعه بالأسيد إن استمر في رسمه، فكان جوابه الصريح والقوي والواضح، أنه سيرسم بأصابع رجله إن هم قطعوا أصابع يديه.
د. محمود شاهين