أخيرًا وضعت الحرب أوزارها، بعد اثنين وثلاثين يومًا ذاق فيها غصة الحضارة العربية «لبنان» مرارة القصف الإسرائيلي والقتل والدمار، حرب حرقت في غمارها براءة الطفولة والسلام والطمأنينة التي كان يعيشها لبنان، لكن رغم كل هذا ما حدث خلال زمن الحرب يظل الكلام عن دور لبنان الفكري والثقافي هو الأبقى، هذا الدور الذي يتحدث عنه مثقفون مصريون في هذا التحقيق وفق رؤيتهم للمكانة التي يحتلها لبنان كمنارة فكرية ثقافية لكل المثقفين العرب.

من جانبه يقول القاص سعيد الكفراوي ان واحدا مثلي ضروري أن يتذكر كل الكُتاب المحترمين في لبنان ويقف بجانبهم بكل وجدانه وقلبه، لأن هؤلاء الكُتاب شاركوا في الوعي العربي، وقدموا للثقافة العربية أزهى عصورها مع مصر، فنحن لا نتذكر التنوير إلا بمشاركة لبنان.

وأضاف: ان ما حدث اعتداء على الثقافة العربية بشكل عام وعلى الثقافة اللبنانية بشكل خاص، فمن ضمن أصدقائي إلياس الخوري وعباس بيضون وحسن داود وهدى بركات وعلي حرب، هؤلاء الذين عاشوا الاعتداء الدامي على وطنهم نشاركهم كمثقفين مصريين الغضب ونستنهض معهم العالم، حتى يستعيدوا أمنهم وعزتهم من جديد.

وقال الكفراوي: إن لدي مواقف ولقاءات بهؤلاء الأصدقاء عبر ملتقيات ثقافية في مصر والمغرب وقبل هذه اللقاءات فنحن أصدقاء دائما ما نتواجد مع بعض في معظم الأوقات، كما منعت هذه الحرب المفكر اللبناني د. علي حرب من السفر والعودة إلى بلاده واستمر مقيما بالقاهرة على مدى 22 يوما، وحتى الآن هو متواجد معنا بالقاهرة حتى نخفف عنه عبء ما يجري في لبنان باعتباره ابن الجنوب.

لبنان وردة العروبة

وأكد الروائي فؤاد قنديل: على تقديره الشديد وإعجابه بالثقافة اللبنانية ومفكريها سواء في الماضي أو الحاضر، وقال: إنهم أضافوا الكثير للمنجز الأدبي العربي بحيث يصعب تجاهل إضافات وإسهامات الأدباء والشعراء اللبنانيين في الشعر أو القصة أو الرواية،

ودائما أتذكر موقفا عندما كنت أريد أن أزور لبنان وبالفعل سافرت إليها عام 1975، وفي اليوم التالي من وصولنا وعند خروجنا جميعًا من الفندق فوجئنا بإطلاق نار متبادل ومتواصل من جهات مختلفة، وكان ذلك هو اليوم الأول من الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت في لبنان في تلك الفترة واستمرت 15 سنة،

ورغم عشقي وشوقي للسفر إلى لبنان إلا أن هذا الموقف الغريب والمشهد الصادم ألقى الفزع في قلبي وقررت بعد ساعات الانتقال إلى دمشق وما زالت هناك غُصة في حلقي بسبب ما رأيته، وأصبح السبب وراء بُعدي عن رؤية لبنان الحبيب، التي اعتبرها وردة العروبة الندرة، واستمرت بعدها لبنان في نهر من الدمار والدماء والخراب،

وأصبحت من أصعب الفترات التي مرت على لبنان ورغم ذلك فأنا أشعر بالشوق إلى زيارتها، ولا أرفض هذه الدعوة وبالأخص الآن بالرغم من كثافة الهجوم الوحشي الإسرائيلي عليها لأنها لا ترتبط بذهني إلا بكل جمال وفن وقدرة عملية على تجديد الحياة بها.

فسيفساء الفكر والعقيدة

ويرى الناقد د. مدحت الجيار أن دائما ما يكون هناك جسر ثقافي منذ آلاف السنوات بين الثقافة المصرية واللبنانية. وقال: إن لبنان منذ فجر التاريخ الحديث وهي تمتلك مطبعة ولديها باع طويل في مسألة نشر الكتب منذ نهايات القرن 18، حيث أتاحت الفرصة لعدد كبير من المبدعين المصرين لنشر أعمالهم وكتبهم التي لم يستطيعوا نشرها في مصر، فدائما ترتبط لبنان لدينا بحرية الفكر والعقيدة لأن فيها فسيفساء الفكر والدين لتمثل لبنان شكلا مختلفا عن بقية الدول العربية.

وعن ذكرياتها أضافت الكاتبة الروائية سلوى بكر: بأنها كانت موجودة في لبنان أبان حرب 1982 والعدوان الإسرائيلي على لبنان، وقالت: عشنا فترة الحرب مع عدد من المثقفين اللبنانيين ودائما كنا نتواجد مع المقاتلين حيث نعقد لهم الندوات والأمسيات الشعرية والغنائية، وذلك بهدف رفع الروح المعنوية للمقاتلين،

وأضافت: أن ما شهدته الحرب الأخيرة من مقاومة حزب الله في القيام بدور شديد الاحترام يعيد للإنسان عربي كرامته المهدرة أمام الغطرسة الأميركية والإسرائيلية وهو يقوم بالدور الذي لم تقم به الجيوش العربية المتخاذلة.

شرق أوسطي عربي مرفوض

ومن جانبها قالت الكاتبة فريدة النقاش: إن المسألة ليست مسألة مثقفين ونخب إنها مسألة الشعب اللبناني، فقد زرت لبنان عشرات المرات وأنا الآن أشعر بالأم فظيعة، لأن هذا البلد يتم تدميره تدميرا منظما ووحشيا في غياب النظم العربية التي استسلمت لأميركا وبالتالي لإسرائيل، وأن هذه القضية لابد من أن نتداولها بشكل منطقي لكي نجد مخرجا لتعبئة الشعوب العربية المناصرة للمقاومة في لبنان وفلسطين والعراق ووصولا إلى حلول سلمية مشرفة.

وأشارت إلى الوضع القائم في إرادة أميركا إلى إنشاء مشروع الشرق الأوسط الجديد وقالت: إن أميركا تسعى إلى فرض الحروب علينا عن طريق إسرائيل وعنوانه هو أن تكون المنطقة خالية من أنواع المقاومة أو الممانعة للسياسة الأميركية والإسرائيلية وفي هذا المشروع سوف تكون إسرائيل هي السيد الآمر الذي يسوق أمامه مطالب أميركا الغليظة.

فزع المواطن الإسرائيلي

ومن ناحيته، شعر الناقد عبد العال الحمامصي بكل فخر وامتنان لما قامت به المقاومة اللبنانية لصد العدوان الإسرائيلي الوحشي على لبنان من تحريض أميركي، وقال إن ما حدث هز ضمير الحضارة الإنسانية وخاصة أن معظم الدول الغربية لا توافق على ما يحدث الآن في لبنان،

ولكن هيمنة أميركا تجعل هذه الدول راضخة لأوامرها وذلك من أجل اتخاذ موقف من الغرب من إرهاب المقاومة في الأراضي العربية، ولكننا نكتفي بالتعبير الذي لا يمكن أن يوقف وحشية العدوان،

إنما ما حدث يؤكد أننا نحن العرب نستطيع أن ننتصر إذا تجمعنا وتوحدنا وسخرنا طاقاتنا الاقتصادية والعلمية في زحف إسرائيل ولأول مرة منذ قيام الدولة الإسرائيلية يشعر المواطن الإسرائيلي بأن عبارة جيش الدفاع الذي لا يهزم ولا يقهر أصبح لا حقيقة له،

فلأول مرة المواطن الإسرائيلي يدخل الملاجئ ويشعر بعدم الأمان ويكفي هذا في حد ذاته لإنجاح المقاومة اللبنانية الباسلة، التي تستحق أن نؤازرها بالفعل لا بالقول وإذا كنا حقا نحن العرب نريد السلام علينا أن نحمي هذا من غطرسة إسرائيل، التي تقوم بشنق السلام عيانا وجهارا أمام العالم كله.وأكد الحمامصي: أننا رغم شعورنا بالمهانة أمام استهزاء الأنظمة العربية إلا أن الشعوب العربية هي الأصل والقادرة على أن ترغم أنظمتها للسير في الطريق السليم بعيدا عن أعداء السلام.

حرب إقليمية

أما الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة: فيرى أن هذه الحرب مفاجأة من كل النواحي ومأساوية للجانبين الإسرائيلي واللبناني، وقال: إن هذه الحرب تعبر عن عنصرية إسرائيل وغبائها الشديد وغطرستها التي جعلتها ترد على مجرد اختطاف جنديين بإشعال حرب إقليمية من قتل أبرياء والنساء والأطفال وإطلاق هذا الدخان من الكراهية العنصرية في المنطقة،

مما يكشف عن طبيعة إسرائيل العدوانية، كما دلت الحرب أيضا اكتشاف إسرائيل بأن العرب ليسوا موتى، وأن وصول الصواريخ الخاصة بحزب الله إلى أعماق إسرائيل هي مفاجأة مأساوية لإسرائيل نفسها وبكل تأكيد هي تستحقها، لأن هذه الحرب أوضحت إلينا قدرة المقاومة على الصمود وصد العدوان هي مفاجأة أخرى لكل الدول العربية والأجنبية التي راهنت على نصر سريع لإسرائيل.

وأكد أبو سنة: أن من الضروري على المنطقة أن تلتقط الإشارة الجديدة من هذه الحرب لبلورة الوعي الجديد للعالم العربي حتى يكون دافعا لنهوض الأمة من وحدتها والنظر إلى المستقبل بثقة أكبر، وشكرا لحزب الله.

القاهرة ـ «البيان»: